ثقافة الأخلاق أم أخلاق الثقافة؟

يبدو أن قسم “أبقراط” الطبي المبجل، ليس إلا كلاما للترديد الببغاوي، عند بعص الأطباء، الذين أقسموا أن يكونوا ويعملوا ويبذلوا قصار جهدهم، حيث يحتاجهم المرضى، لا أن يكونوا وفق ما يناسب مصالحهم الشخصية والعامة، فالمعاناة الكبيرة التي يعانيها القطاع الصحي لدينا نتيجة لاختيار الكثير من الأطباء للجوء الخارجي، عوضا عن الالتحاق بالمشافي الموجودة في الأماكن الأمنة وهي ليست بالقليلة، وتحتاج لكادر طبي يزيد عما هو موجودا الآن بعشرة أضعاف حتى يتمكن القطاع الصحي من النهوض ثانية، نحن هنا نتكلم عن الأطباء الذين درسوا في جامعات الدولة ومدارسها وعلى تففتها ومنهم من أوفدته على نفقتها أيضا حتى في ملبسهم، ليتخصص في المجال الذي يجب أن تطوره في أحد قطاعاتها إلى أشهر الجامعات العالمية، وهؤلاء يدركون تماما ما معنى أن تشتعل الحرب في وطنهم، وما معنى قصف وصواريخ وقذائف وناس، لكنهم فضلوا خيارات أخرى، ربما كان منهم يحلم بها حتى قبل الحرب!.
والحديث عن هذه الشريحة بالذات من بين باقي الشرائح التي أيضا “شمعت الخيط” وفضلت النزوح على البقاء في الوطن والمساهمة حسب المقدرة بالزود عنه، لأن من بقي يعمل في القطاع الصحي، أصيب بالإرهاق الشديد، والذي تتجلى أول بوادره في تبرمهمن العمل، خصوصا في مجتمعنا، الذي يعتبر الوظيفة الرسمية عموما، هي للتسلية، ريثما يحين موعد العمل الثاني ثم الثالث، بعد أن أصبحت المعيشة اليومية تتطلب أن يكون دخل أسرة سورية مؤلفة من خمسة أفراد، ما يقارب المئة وخمسون ألف، حسب واحدة من الدراسات الاقتصادية، وأيضا حسب الناس الذين نحن منهم، ونعاني ما يعانوه، ونقاسي ما يقاسوه، وكأن الألم رغيف خبز نقتسمه بيننا- ليس الجميع بطبيعة الحال-.
الغريب أن من ينظر إلى عينة من الأطباء الذين هجروا البلاد، سيلاحظ أنه أغلبهم من الأطباء المتقاربة أعمارهم، وهم الأطباء الشباب عموما، ما يدعو إلى السؤال: أي علم وأية اخلاق تلقاها هؤلاء في مدارسهم؟-التي ربما كان الكثير منها من المدارس الخاصة-، وأي ثقافة مواطنة تشبعت بها أرواحهم، حتى يكون الهرب أول خيار يمارسوه، عندما احتاجتهم البلاد في بلاء أصابها!؟، أي ثقافة هذه؟ وكيف تمكن هذا النوع الأخلاقي من التشبع بروح البراغماتية، التي تقول في خلاصتها “أنا ومن بعدي الطوفان”؟.
واحدة من السيدات التي رفضت أن تخرج مع زوجها الطبيب وابنتهما، لأنها لا تريد أن وتترك وطنها وأهلها، وهكذا بقيت بعيدة عنهم لأربعة سنوات، وبعد هذا الوقت الطويل نسبيا في حساب الحرب، اتصل بها زوجها ليخبرها بأن ابنتهما مريضة، وأنه لا يستطيع تحمل تكاليف علاجها، في واحدة من الدول المجاورة، لذا فإن عليها أن تسافر إليه كي تعود بالطفلة لتتلقى العلاج في المشفى الحكومي الرسمي، وذلك لأنه يعرف أن العلاج في سورية، وهي في السنة السابعة للحرب، لم يزل شبه مجاني مقارنة بأسعار المشافي الخاصة، التي يصل سعر قضاء ليلة واحدة إلى ما يقارب المئة ألف ليرة!.
السؤال عن الثقافة ومصدرها وماهي، وعن الحالة الأخلاقية التي غرستها في النفوس، هو سؤال يجب أن “نتنطح” للجواب عنه، ليس في القطاع الطبي فقط، بل بمختلف القطاعات التي لا تزال تتعامل مع أحوال البلاد بعد حرب تفوقت زمنيا على الحرب العالمية الثانية بثلاث سنوات، وكأنها في الشهور الأولى منها، وبعضها- أي هذه القطاعات- وكأنها في الأيام الأولى يا سادة يا كرام، في الأيام الأولى من عمر كل شيء، حتى اكتشاف كروية الأرض!.

تمّام علي بركات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *