عروبتنا ضمان دولتنا الوطنية

تواجه “الدولة الوطنية” اليوم في الوطن العربي تحديات عديدة متضافرة في وقت واحد، من أبرزها دعم التحالف الصهيوأطلسي- الرجعي العربي للتطرّفَ والتكفيرَ والإرهاب من جهة، ومن جهة ثانية رعايته النزعات الانفصالية بأبعادها الطائفية والمذهبية والعرقية، ويواكب هذين التحديين تحدٍّ ثالث هو انتقال التطبيع مع العدو الصهيوني من السريّة إلى العلنيّة.

في هذه المرحلة من التاريخ صار “ما  تبقّى” من دولنا الوطنية العربية بحاجة ماسة إلى الحماية من مخاطر العولمة التي انتقلت من عولمة اقتصادية إلى “عولمة الجهاد” والتطرّف والتكفير، فتحطّمت جرّاءها حدود الدولة الوطنية تمهيداً لتحطيم المجتمع الوطني، ولاسيما حين تراكبت طروحات: المظلومية، والأقلية، والانفصال، ما سهّل اقتران عولمة الاقتصاد بعولمة الإرهاب.

في هذا المناخ يتعرّض مفهوم العروبة، ومفهوم الوطن، إلى انحراف خطير يهدّد الأجيال والأوطان والأمة، انحراف في مفاهيم كانت مستقرة في الوجدان والتي نتجت عن حركة التحرر الوطنية والاستقلال العربية في القرن الماضي. وهو انحراف يزعزع المفهوم القومي والوطني للمشترك من التاريخ والأصل والمصير واللغة والثقافة، ليقوّض أول ما يقوّض الوعيَ والهوية والانتماء.

ولا يختلف الوطنيون والعروبيون في هذه القراءة للواقع، لأنها ليست سياسية ولا حزبية بقدر ما هي تاريخية واقعية تستند إلى أفق حضاري لا يمكن تغييبه رغم وجود الطروحات العصبوية والتفتيتية المأجورة، والطافي كثير منها على السطح اليوم، وهي طروحات مضادة للمصلحة القومية والوطنية، ولمصلحة الفرد والمجتمع والشعب والأمة.

إننا في الجمهورية العربية السورية، ومعنا الملايين من أشقائنا في الوطن العربي، وفي هذا المناخ المكفهرّ، كنّا، وما زلنا، وسنبقى نرى في العروبة ضامناً وعاصماً للأمة وللأوطان من مخاطر هذه الطروحات والتحالفات التي تجاوزت بمفرزاتها القاتلة حدود استهداف القومي والوطني، إلى استهداف الشعب والمجتمع والمؤسسات والأحزاب العروبية والوطنية والتقدمية، وعصفت بمؤسسات العمل العربي المشترك.

لذلك نؤكد ونكرّر دعمنا وتمسّكنا بالعروبة كمشروع تاريخي ومستقبلي قابل للحضور والفاعلية من جديد، بما له من رصيد غني وأفق رحب قابل أيضاً للتجدّد ولإعادة البناء، وللمراجعة النقدية.

ولذلك أيضاً ستبقى شرائح واسعة من جماهير شعبنا وأمتنا -وهي على حق وصواب- تردّد: “أمة عربية واحدة”، لأنها هذه هي الحقيقة قبل أن تكون شعاراً، وهذا ما يصعب إنكاره وتجاوزه بالارتزاق وبالمأجورية. فالفرق واضح بين العروبة كهويّة ووعي وانتماء، وبين الواقع العربي الراهن، ولأن الأمر كذلك فقد فصلت هذه الجماهير بحدسها وفطرتها ومصالحها بين العروبة كمفهوم حضاري تاريخي توارثي، وبين الطروحات العصبوية المريضة وطنياً وقومياً.

فليست العروبة محصورة في البوادي، ولا الصحارى، ولا الشواطئ، ولا على ضفاف الأنهار فقط، بل هي اجتماع المشترك من الثقافة واللغة والمصالح والمصير، على امتداد الوطن العربي. فجميع الأقوام التي عاشت على الأرض العربية هي نتاج التراث الحضاري الذي نحترمه منذ فجر التاريخ مع الإسلام والمسيحية، ومن قبلهما أيضاً.

وبهذا تكون العروبة مظهراً وطنياً وحدوياً بقدر ما هي مظهر حضاري، وهي أيضاً مظهر علماني لأنها فوق الانتماءات الضيقة والأمراض الاجتماعية.

وتكون العلاقة بين العلمانية والعروبية والوطنية علاقة عضوية تعزّز الوحدة الروحية والسياسية والاجتماعية.

لقد قدّم السوريون تضحيات كبيرة لترسيخ هذه القناعة التي عزّزوها بالفكر وبالممارسة، وفي الوقت الذي لا يستظلون فيه بنظرية المؤامرة، فإنهم، ولا غيرهم، بإمكانهم اليوم إنكار وجود المؤامرة والعدوان عليهم كشعب ودولة ومبادئ ونظام سياسي..

وفي هذا السياق نعرف لماذا لم يدّخر السيد الرئيس بشار الأسد مناسبة أو حديثاً أو لقاء، إلا أكد خلاله أن عروبتنا ضمان لدولتنا الوطنية، فالذي لا يتمسك بعروبته يهدم دولته الوطنية، والعكس صحيح، فلطالما أوضح سيادته أن “العروبة ليست منظمة.. وهي حالة حضارية. والهوية العربية هي هوية معتدلة في كل شيء اجتماعياً وثقافياً وسياسياً ودينياً لأنها تمثل تمازج الحضارات عبر آلاف السنين، فالعروبة ستبقى عنواناً لانتمائنا وملاذاً  لنا وسنبقى قلبها النابض بالمحبة والعنفوان.. وهي كهوية إطار حضاري يشمل الجميع وليست أيديولوجيا فقط..”.

فكان من البدهي أن تؤمن شرائح واسعة من شعبنا وأمتنا بما نصّ عليه دستور الحزب من أن “العربي هو مَن كانت لغته العربية، وعاش في الأرض العربية أو تطلّع إلى الحياة فيها وآمن بالانتساب للأمة العربية والرابطة القومية هي الرابطة الوحيدة القائمة في الدولة العربية والتي تكفل الانسجام بين المواطنين وتكافح سائر العصبيات المذهبية والطائفية والقبلية والعرقية والإقليمية”.

أمام هذه الوقائع يحق لنا أن نعتز بتجربتنا السياسية والإدارية والدستورية والتشريعية التي تعكس هذه الهوية وهذه الرابطة في المجتمع وفي الدولة، وفي السلطة أيضاً. ولنا في حزب البعث تجربتنا التي نفخر بها والتي تسامينا فيها على سائر العصبيات من خلال توسيع وتنويع دائرة المشاركة في اتخاذ القرار، أي قرار. سواء على صعيد المؤسسات التشريعية والقضائية والتنفيذية، أم على صعيد الأحزاب والمنظمات والنقابات.

هذا الفهم الأصيل للعروبة عزّز صمود دولتنا الوطنية كمجتمع وشعب ومؤسسات، وسيؤهّلنا لتعزيز إسهام هذه الدولة المنيعة في الوحدة الوطنية وفي الوحدة العربية أيضاً، وسيسهم بقوة وفاعلية في هزيمة الإرهاب والتطرف والتكفير، ومقاومة نزعات الانفصال والتطبيع أيضاً.

د. عبد اللطيف عمران

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *