الأهداف البعيدة للتدخل التركي في إدلب 

لم يتوان نظام أردوغان الإخواني الحاكم في تركيا ولو للحظة واحدة عن الاستثمار القذر في أدق تفاصيل الحرب الكونية الظالمة التي فُرضت على سورية منذ قيامها، هذه الحرب التي كانت تهدف إلى تدمير الدولة السورية وإلغاء الدور المحوري الذي تضطلع به سورية في المنطقة والعالم، ومن ثم العبث بالجغرافية السورية وفق المخطط الذي يخدم المشروع الصهيو – أمريكي وإنشاء ما يُسمى بالــ”الشرق الأوسط الكبير أو الواسع”، لقد تحولت تركيا إلى ممر أمن للمرتزقة الوافدين من كل بقاع الأرض لتنفيذ تلك الأهداف العدوانية  ضد سورية التي لم تتمكن كل الحملات الاستعمارية السابقة عبر التاريخ من تطويعها وهزيمتها، لكن العقل السلجوقي المتخلف عند أردوغان وحزبه مازال يُسيطر على أدمغتهم الواهمة بقدراتها على إعادة إحياء الخِلافة العثمانية المندثرة، من هنا جاءت التصريحات الغوغائية المعبرة عن هذا الطموح الجامح من قبل أردوغان في بداية الأزمة السورية على  أنه سيُصلي في الجامع الأموي في دمشق بعد تدمير سورية، ولكنه بالرغم من خيبة الأمل والهزيمة التي حصدها في كل ما فكر به وسعى إليه مع حلفائه في المحور المعادي لسورية، لم يزل يلعب على نفس الوتر تحت غطاء تفاهمات الأستانة التي جعلت منه ضامناً للتنظيمات الإرهابية في محافظة إدلب التي تم ضمها إلى مناطق تخفيف التصعيد في اجتماعات الاستانة 6 الأخيرة ، حيث تسللت القوات التركية إلى منطقة إدلب بالاتفاق والتنسيق مع قادة تنظيم ” هيئة تحرير الشام ” النصرة سابقاً التي تسيطر على هذه المناطق دون حصول أية مواجهة حقيقية على الأرض، بينما كانت عين النظام التركي ترنو باتجاه الجنوب الغربي لريف حلب وبالتحديد منطقة عفرين ذات الغالبية الكردية لمنع التواصل مع بقية المناطق الكردية الأخرى، تحت حجج التنسيق والتفاهم مع حلفاء سورية الأساسيين روسيا وإيران حول آلية تنفيذ وقف التصعيد في إدلب ولعب القوات التركية دوراً في مراقبة التهدئة، لكن عندما جاءه تحذير بأنه تجاوز الدور المنوط به، كف النظر عن التمدد باتجاه عفرين.

في حقيقة الأمر ما نقرأه بين سطور الغزوة التركية لمناطق سورية في إدلب وغيرها يُخفي اهدافاً أبعد مما  يتصوره البعض من الحلفاء أو المتابعين ، حيث يأتي في مقدمة تلك الأهداف الخبيثة العمل على تثبيت الحالة السكانية الجديدة التي فرزتها الحرب وأدت إلى تهجير الكثير من السكان ولجوء آخرين إلى مناطق نفوذ تركيا وأدواتها داخل الأراضي السورية في محاولة على إحداث تغيير واسع في الديموغرافية السكانية على غرار البروبغندا العدوانية التي قام بها النظام التركي في بداية القرن الماضي وكانت نتيجتها سلخ لواء الأسكندرون بالكامل عن الجغرافيا السورية تحت غطاء رغبة السكان الذين تم تزوير بطاقاتهم الشخصية أنذاك بالانضمام إلى تركيا وذلك بالتواطؤ مع الاستعمار الفرنسي الغادر وتحت رعاية المنظمة الدولية (المسلوبة الإرادة)، وما يؤيد ما ذهبنا إليه في هذه الرؤية هي حالة التتريك التي تجري على قدمٍ وساق في المناطق السورية التي تسيطر عليها تركيا مباشرةً او عبر أدواتها العميلة، حيث تقوم هذه الجهات بتدريس اللغة التركية في المدارس، وتم افتتاح جامعات تركية وبريد ومصارف وغيرها من الأمور الخدمية التي تخدم تلك الأهداف المبيتة للإعتداء على الجغرافية السورية من جديد..

من الأهداف الأخرى للنظام التركي، خلق واقع إداري وسياسي جديد  تحت مسمى إدارة محلية ذاتية قوامها عناصر إرهابية من جبهة النصرة وغيرها كخطوة أولى باتجاه تعزيز مشاعر العداء للدولة السورية، وتبييض صفحة هذه العناصر الإرهابية من جهة، بحيث تكون جاهزة لتقبل الأفكار والمقترحات التركية فيما لو طلبت حكومة أردوغان من هذه الإدارات الانسلاخ الكامل عن سورية مستقبلاً من جهةٍ أخرى..

هذه الاهداف وغيرها مكشوفة تماماً أمام القيادة السورية والجيش العربي السوري، وإن سورية التي تحملت اعباء حرب قاربت السبع سنوات من أجل الحفاظ على وحدة واستقلال أراضيها وحريتها في قرارها السياسي، لن تقبل بأي حالة من الأحوال المساومة على أي ذرة  تراب من الجغرافية السورية، ولن تسمح بالتطاول على استقلالها وسيادتها وحريتها من أي طرف معادي كان او صديق، لأن هذه القضايا تشكل خطا احمرا في الثقافة السورية لا يُمكن تجاوزه لو استمرت الحرب لقرون قادمة، وأن الجيش العربي السوري والشعب السوري يقفان بقوة وصلابة خلف قيادتهم السياسية الأمينة على هذه الوديعة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى ..

سورية لا تثق بنظام أردوغان الإخواني الذي طعنها في الظهر اكثر من مرة مهما تقّرب من حلفائها، وهي تُطالبه اليوم عبر الدبلوماسية بسحب قواته الغازية فوراً ومن دون شروط أو حجج، وفي حال تمسك النظام التركي بسياساته العدوانية قد يكون الكلام في المستقبل مختلف وبعيد عن الدبلوماسية، كما ان سورية كفيلة بحل مشاكل مواطنيها وفق مقتضيات القانون والدستور السوري الذي يُضاهي أفضل الدساتير العالمية حضارةً وعدلاً، وكما كانت الحكومة السورية منذ بداية الأزمة تفتح حضنها الدافئ لكل من يرغب بالعودة إلى الحياة الطبيعية ويبتعد عن التنظيمات الإرهابية عبر قوانين العفو المتعددة، فهي في الوقت ذاته مصممة على استمرار ملاحقتها للإرهاب والإرهابيين وسحقهم وتخليص الوطن من شرورهم ومن خدماتهم المجانية للمشروع العدواني ضد البلد والشعب حتى تنظيف الوطن من آخر إرهابي مأجور، ومن المؤكد بأن الإرهابيين وأسيادهم يعلمون بأنه لم يبقى أمامهم سوى طريقين لا ثالث لهما، إما الموت وإما الاستسلام، وإن الحكومة السورية وقيادتها السياسية اليوم أقوى من أي وقت مضى، بما حققه ويُحققه جيشها الباسل وحلفاؤه يومياً من إنجازات ضخمة على الأرض كان آخرها تحرير مدينة الميادين ولن تكون النهاية حتى تطهير كامل التراب الوطني من الإرهاب، كما أن ما وصلت إليه الحكومة السورية في السياسة الداخلية ليس بالقليل من إجراء مصالحات واسعة شملت أغلب مناطق البلاد، كما تم فضح أبعاد المؤامرة ووحشية الأهداف القريبة والبعيد لهذه الحرب الظالمة التي فرضت عليها عبر تعريتها إعلاميا وسياسياً على الساحة الإقليمية والدولية ..

 

محمد عبد الكريم مصطفى

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *