الموت المهاجر

منذ مدة لابأس بها، توقفت عن تبديل أمكنة أغراض البيت كما كانت تفعل سابقا بين الفترة والأخرى، فكما كانت تقول حينها لجاراتها وأغراض البيت مبعثرة على الشرفة “هذا يمنح الإنسان شعورا جيدا” كما أنها لم تعد لزيارة مرآتها أيضا منذ مدة لا بأس بها كما يبدو من حالها الذي لم يعد هو ببساطة، من يراها اليوم وهي تضع مشبك الشعر وهي خارجة من المنزل، بجسد مخزول وروح شاحبة، يستحيل عليه أن يدرك أنها هي ذاتها من كانت تهبط الشارع منذ مدة لا بأس بها، ورائحة عطرها تركض خلفها، بينما شعرها الأرجوحة، تطير خصله الطويلة على أكتافها، وحتى الهواء يكاد يقف قلبه من رهافتها وحسنها. غابت منذ مدة ثلاثة أعوام تقريبا عن الحي، بعد أن بدأ مطر الرصاص المتفجر والهاون بالهطول في المنطقة التي تقطنها، حينها قررت أنها لم تعد تحتمل كل هذا الرعب على ولديها، وبعد أقل من شهر على هذا التداعي الخطير في نفسها والذي كانت قد صرحت به أكثر من مرة، معلنة عن اضطرارها إلى الهجرة، كانت أخبارها انقطعت تماما حتى عن الفيس، حيث كانت بين الفترة والأخرى، تقوم بإنزال صورة لها ولولديها وهي في واحدة من المدن التركية، ثم بعد ذلك لم يعد هذا يحدث.

منذ مدة قريبة، بدأت أضواء البيت الذي تُركت ستائره مرفوعة وأنواره مطفئة تمويها لتخويف اللصوص، بالاشتعال ليلا، إلا أن إحدى الجارات، لاحظت ذلك، و سارعت لإخبار زوجها أنه من الممكن أن يكون بيت جارتهم المهاجرة يتعرض للسرقة، عندها ودون أي حاجز أيا يكن، ركض الرجل بشهامة ابن البلد ليوقف اللصوص، صعد السلالم إلى حيث البيت وكان الباب مفتوحا والسيدة صاحبة البيت تجلس على حافة الدرج أمامه، تدخن وتسند وجهها براحتها المتكئة على ركبتها، بينما نظراتها محدقة في الأرض، نظر إليها الرجل مليا وعرفها، هبط السلالم دون أن يتكلم ولو بحرف واحد “لم تكن مستعدة لسماع أي كلمة، كانت غائبة عن الوعي وكأنها شبح، حتى أنها لم تنتبه أنني بقيت واقفا أمامها لأكثر من عشر دقائق” قال الرجل مبررا عدم مخاطبتها. وبعد مدة على هذا الحال، التي انقضت بين هبوطها صباحا كل يوم وهي شبه نائمة أو ميتة، وجلوسها فترة ما بعد الظهر وحتى منتصف الليل على حافة الدرج تدخن وتنتظر، عرف الجيران أن “البلم” الذي ركبته وولديها لتهرب من الحرب إلى نعيم الحياة في أوروبا، غرق بمن فيه، وتم إنقاذها هي وولديها اللذين تمسكت بهما بقوة شديدة، حتى أن المسعفين اضطروا إلى استخدام القوة، لتفريق يديها عن بعضهما وبينهما ولديها الذين كانا قد فارقا الحياة غرقا.

بقيت ثلاثة أعوام في مشفى للمجانين في تركيا عقب الحادث، وبعد مدة عرف أقربائها بالأمر، وعادوا بها إلى البيت، الذي صار فارغا عليها، قيل لها أن ولديها تم إسعافهما إلى مشفى في إيطاليا وإنهما بخير، وهما عائدان إليها في أي لحظة” لا تقولي إلا والباب اندق وفاتو الولاد” وعندما يأست من أن يُطرق الباب، صارت تنتظر على حافة الدرج، بعد أن تعود من عمل دّبره لها أحد أقاربها لتعتاش منه، حتى تأخذ حبوب المنوم مفعولها فتزحف وتغفو خلف الباب، بانتظار أن يُدق..

تمّام علي بركات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *