مع سقوط المتاجرة بـ«الشعب يريد..»

من أهم دوافع استمرار اعتداءات الكيان الصهيوني على مواقع قواتنا المسلحة، وآخرها عدوان الأمس بأطواره الثلاثة، الإنجازات المتواصلة والواسعة التي أنتجها صمود الدولة الوطنية القائم على رسوخ تماسك الشعب والجيش والقيادة الذي فرض قراءات جديدة للواقع، وتفاعلات قويّة وصادمة لمخطط الاعتداء على مصالح الشعب وقضايا الوطن والأمة، صمود يحطم شعار «الشعب يريد» الذي انطلق منه المشهد الاحتجاجي العربي  ليتأكد فيما بعد أن: العدو هو الذي يريد.

هذا الصمود التاريخي بمنجزاته الكبرى التي تحتاج إلى قراءة مستمرة، بل إعادة قراءة وتحليل واستنتاج، يقدّم معطيات مهمّة حول أبعاد الاستهداف الصهيوأطلسي – الرجعي العربي للمشروع المقاوم لهذا الاستهداف.

يأتي عدوان الأمس في ظروف أملتها الضرورة التي لابد من أن تسفر عن هكذا عدوان بعدما توالت هزائم العصابات التكفيرية الإرهابية على امتداد الساحة السورية، وفي وقت اتضح فيه أمام هذه العصابات ومشغليها سقوط الخيار العسكري، وانسداد أفق المسار السياسي أمامها أيضاً، وبالتالي سقوط مشروعها بالكامل شعبياً وإقليمياً ودولياً، فقد انكشف الغطاء وتعرّت عقائدياً وعسكرياً وسياسياً.

لذلك تستمر المحاولات الأمريكية الصهيونية الرجعية العربية لإنقاذ سقوط المتاجرة بذلك الشعار بأدوات متجددة سياسياً وعسكرياً على نحو ما نجد في تسيير العصابات الإرهابية في سورية طائرات بدون طيار «لا تملكها إلا الدول» وفق التصريح الروسي.

كما يأتي هذا العدوان في ظروف ردّة الفعل الدولية واسعة الأصداء على قرار ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس وما يتصل بذلك من مخاطر ومفاجآت وتوقعات لم ولن تكون بالحسبان.

وفي الوقت نفسه انكفأت النسخة الأخيرة ربما لمشروع «الشعب يريد» أو «الربيع» الذي كان منشوداً في الجمهورية الإسلامية الإيرانية من قبل الثلاثي الصهيوأمريكي – الرجعي العربي نفسه كنسخة مخطط لها على أن تكون مطابقة لما جرى في سورية.

فكان من الطبيعي، بل الذي لابد منه أن تشهد إيران ماشهدته في الأيام القليلة الماضية، وكان بالمقابل أيضاً من الطبيعي أن يفشل المشهد، ومعه ربما يكون السقوط الأخير لمشروع المتاجرة بـ«الشعب يريد».

هناك اليوم في المنطقة والعالم وعي جديد مطابق لخبث هذا المشروع، وافتضاح سافر وساقط في الوقت نفسه لأدواته وأهدافه التي تخدم بالدرجة الأولى المشروع الصهيوني في المنطقة وتفضح عملاءه فيها.

هذا الوعي آخذ بالنمو والتطور والفعل، وهو وإن كان يبيّن أن المستهدف في المشروع هو محور المقاومة بالدرجة الأولى، غير أن العرب جميعاً مستهدفون، كشعب وكمجتمعات وكأمة وكقضية، وكذلك الإسلام كتاريخ وحضارة ومقدسات وشعوب لتكون خارج التاريخ والحضارة الإنسانية والأصالة والمعاصرة في وقت واحد.

في استبيان دقيق لاستطلاع الرأي جرى مؤخراً في تونس الشقيقة تبيّن أن 64٪ من الشعب التونسي مع عودة زين العابدين بن علي، وليس غريباً أن تكون هذه النسبة أكبر في الشارع العربي إزاء ما حدث ويحدث في تونس التي انطلقت منها شرارة الخراب، وتم تقصّدها لتكون بالون اختبار لما سيأتي بعد على المنطقة شعوباً وحكومات.

فالمتاجرة بـ«الشعب يريد» وإن انطلقت شرارتها أواخر 2010، فإنها بدأت مواكبة لمخططات استهدفت المنطقة تتصل بالحروب الناعمة، وبفلسفة الإطاحة ونظرياتها وأعلامها من جين شارب وروبرت مردوخ وبرنار ليفي.. وأكاديمية التغيير التي تأسست في لندن عام 2006 على أنها «مؤسسة علمية بحثية غير ربحية»؟!، وبعد اكتمال التأسيس وبلورة الأهداف افتُتح فرعها الأول في الدوحة عام 2009 برئاسة صهر القرضاوي، وتطور فرعها الثاني ليُفتتح في فيينا عام 2010 ، وكان من نظام الدوحة ماكان وتبعه النظام السعودي والتركي، وتوافد مرتزقة البترودولار من اليسار واليمين إلى الموائد الخبيثة بإشراف أمريكي صهيوني مستمر لم ولن ينقطع.

والسؤال هو: هل كان من الضروري أن يعمّ الخراب والدمار البشر والحجر والشجر في هذه المنطقة من العالم وفي بلدان عديدة لتنكشف المتاجرة بشعار الشعب يريد؟!. وهل كان ضرورياً على قطاعات واسعة من شعوب هذه البلدان أن تقع ضحية هذا الشعار الهدّام وتدفع مادفعته؟!. وكيف كان من السهولة على هذه القطاعات أن يغيب عنها أن رعاة هذا الشعار هم الأعداء التاريخيون للشعوب والمجتمعات، وللحقوق وللقضايا المركزية والحضارية للعروبة والإسلام؟!. وهُم حقيقة القوى الاستعمارية القديمة والجديدة العثمانية والأوروبية والأطلسية والصهيونية والرجعية العربية التي دفعت بها حركات التحرر الوطني مهزومةً خارج الأرض، والتي عادت من جديد لتحتل أرضية في الأفكار والعقول يكون فيها خطر الاحتلال في الفكر أصعب منه على الأرض.

لاشك في أن الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب إعادة إنتاج قراءة واعية لضرورة بناء مجتمع سياسي عربي منشود يكون فيه للأحزاب والمنظمات والتيارات الوطنية والقومية التقدمية دور مركزي يدعمه بالتأكيد رسوخ محور مقاومة المشروع الصهيوني وتقدّمه وتطوّره الناجز في الوعي وعلى الأرض.

د. عبد اللطيف عمران

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *