يوميّات مضيئة في العمْق 3

الجمعة 5/9/2014 عصراً

ــ تصفَّحْت البارحة العدد 612 ــ أيلول 2014 من مجلة المعرفة ــ الشهرية السورية، وفيه الدراسة الأولى كتبها د. طيب تيزيني بعنوان الاعتدال والوسطية… وفيها كثير من نثارات وأطياف لا تعِزّ على أيّ مدقِق حصيف، منها مثلاً ما يتصادى مع مراجعتي الشاملة للدوريات الفلسفية الشهورَ الماضيةَ ولحْظي حضور «غير مينيفْتيكا» (هيرمينيطيقا) الكبير في هذه الدوريات التي منها «قضايا الفلسفة» الأكاديمية، رغم غيابها عندنا فعلياً حتى الآن مما لفت انتباهي، لذا لم أستغربْ إشارة رئيس التحرير إلى هذه الواقعة ــ المفارقة لأوّل مرة، لأن أحداً لم يشعر بهذه الإشكالية أو يعبر عنها أو يوصفها من قبل رغم وجودها واستمرارها عقوداً طويلة فحضَرتْ فقط لأنني أحضرتُها واستحضرتُها كما أشرْت وعملياً منذ بدايات كِتابي الآخر الموازي في «الفلسفيّات وفسَيفسائها…» منذ شهور، فجاء إعْلان النفّير الفلسفي العام الآن وفي مجلة المعرفة ومِن رئيس التحرير.

***

الجمعة 5/9/2014 عصْراً ــ تابعْ

وأما د. طيب تيزيني فقد أدخل هذه بدوره في دراستِه المنوَّه عنها ــ لذلك أعدّ حضورها مِن حضورنا واستحضاراتِنا ومن ملامح أطيافِنا ونِثاراتِنا في أيّ صيغةٍ شكِّلَت وفي أي زمكانٍ راهنٍ تجسَّدتْ؛ اقرأْ ما كتب رئيس التحرير ص9 منذ العنوان الفرعي ذاتِه ــ «فلسفة «غادامر» بين الحقيقة والمنهج»: ــ يُعدّ المفكر الألماني «هانسين جورج غادامر» (1900 ــ 2002م) من أهم الفلاسفة في القرن العشرين، وقد اهتمت دراساتُه ومؤلَّفاتُه بما أطلق عليه اسم «الهرمنيوطيقا» أو «نظرية التأويل»…. وكانت الأسئلة التي طرحَها في مجالاتٍ فكرية وفلسفية ذات أهمية كبيرة، تركت أثرها على حركة الفكر والثقافة في شتى أرجاء العالَم، ولكنها لم تحرِّكْ ساكناً في ثقافتِنا العربية والإسلامية، لأنَّنا، بكل أسف ــ لم نسمْع به

أمَّا أطيافي ونثاراتي لدى تيزيني في دراسته ضمن الصفحات 17 ــ 31 فهي التي تجعلك تقرّر أنه طيب «في تَمثُّل واستخدام أفكاري وطروحاتي من كُتبي التي أودعتُه إياها وغير طيّب، بل ضَنين ، في أيّ إسناد أو إشارة مباشرة إلى سرّ اهتماماتِه المحْدَثة هذه وطروحاتِه المُتَصادية أيضاً: إنها الطِيبة والإنْكار معاً في شأنٍ واحد إذاً. وقد أكتَفي بمقتطفات منه يتضح عبرها خروجُها عن دارة اهتمامِه التقليدي ــ من جهة، وانتماؤها المباشر لدارة اهتمامي ــ من جهة أخرى (وخصوصاً لمن تابعني وعرفني): ظهور النظام العالمي الجديد … ظهور خارطة جديدة من المفاهيم والأسس والقيم والمعايير… ومِن مفردات تلك الخارطة… حالة جديدة رافقت نشأة النظام العالمي الجديد… [قبل أن أتابع الاقتطاف والانتخاب أُنوّه إلى الكَرَم المغْدق في إعطاء الصِفات الكبرى للكاتب في المجلة: أديب ومفكر وفيلسوف وأستاذ جامعي…]؛ تابعْ: «وجاء ذلك في سياق ظهور نمط من الدراسات والأبحاث، التي يرى أصحابُها أن الحضارات العالمية الرئيسة والكبرى، إنَّما هي ثمانية، خطرها على العالَم يتمثّل في اثنتين هما الصينية والإسلامية، وكان هنتينْغتون وآخرون وراء ذلك». وتمنَّيتُ على «الكاتب» أن يُكْمل فصاحتَه هذه و«معروفَه» وروحَه الرياضية و«نزاهته» بالإشارة إلى المكان اللازم إسناداً: «قراءة أخرى لهنتينغتون ولِصدام الحضارات»، في عنواننا المسمى: «نحن وهنتينغتون وصدام الحضارات» ضمن كتابنا: أفكار ورؤى ومشروعات تأصيلية جديدة، والذي وعد «الكاتب» بالتعريف به ككتاب عن طِيب خاطر، وتمثَّل كثيراً من طروحاته ومفاهيمه ورؤاه عن طيب خاطر أيضاً، واستخدم كثيرها في كتاباتِه عن أكثر من طيب خاطِر أيضاً، لكنَّ النتيجة أنْ لا تعريف ولا إسناد ولا إشارة إلى مَعين الإيحاء والاستيحاء، ولا ما يحزنون…

***

الجمعة 5/9/2014 ــ تابْع معي

(وإن كنتَ تابعتني سابقاً فستجدني حتماً ضمن السطور التالية عند غيري): «منظومة المصطلحات والمفاهيم والمقولات… التي راح «النظام العالمي الجديد ــ العولمة» يكرّسها وفْق ما تتيحهُ المنظومة المذكورة المهيمنة محلياً وعالمياًالإشكالية: كيف تستجيْب تلك المعطياتإعادة بناء العالَم… يكتسب طابعاً كونياً قاطعاً: إمّا النظام العالمي الجديد… مفهوم التعددية والتنوُّع… مسألة محْورية منهجية ونظريةمعطيَات الواقع… هاهنا تفْصح عن نفسِها رؤية منهجية تقوم على الإقرار بكل صيغ وأنماط الاختلاف والتخالف والتجمع والافتراق [أذكِّرك هنا بما كتبتُ حول الوحدة والتركيب بسائر الاحتمالات والصيغ في كتابي الموازي الآخر، والتي هي بدورها استحضار واستشهاد بما كتبتُ في تقويم آراء غاستون باشلار منذ عام 1979 في كتابي: تأملات في الفكر العلْمي المعاصر: الفيزياء النسبية والفلسفة ــ م. ن]… أفُق نظري ومعرفي ومنهجي مَفتوح… كان يطمح إلى الخروج منها وعليها. […]… أخذت تبرز حالات تمسّ العلاقة المركَّبة والمعقَّدة… يندرج في حَيوات الآخذين به، وفْق تشعُّباتِهم وتعدديّاتِهم… «حالة متصاعدة عمقاً (عمودياً) وسطحاً (أفقياً) من التنوُّع الذي أخذ صيغاً قد يكون من الصعوبة ومن التعقُّد والتركُّب. لكن صيغ التغاير والاختلاف والتناقض والتضاد والصِراع [تَذكَّرْني مع باشلار، م. ن] تشغل حيزاً هائلاً من التاريخ الإسلامي، أي من تاريخ القراءات المعنيّة.

أريد إيضاح المعقَّدة والتعقُّد، بل وبالأخصّ المركَّبة والتركُّب لأزعم أنَّ حضورها هنا ارتبط بما بدأتُه منذ شهور في تدوين كتابي الموازي ــ بين الاختصاصية والدراسات التكاملية المركَّبة وتحديداً قبَيل ثم بَعد تدقيقي مصطلح «كومبْليكْسْني بودْخود» بالروسية الذي جاء في ترجمة كتاب «د. نزار عيون السود» المترجم عن الروسية في صيغة «مقارَبة تكاملية»، مع أن كومبْلِكْس هو مركَّب، وبالتالي ارتأيتُ المصطلح مصحَّحاً على أنه مقارَبة مركَّبة ثم استرسلتُ في هذا الاتجاه لألمْلِم ما كتبتُ ونشرْتُ في هذا الحقل/ المجال تحديداً منذ عام 1981، وتحديداً من المنشورات المنطقية ــ المنهجية، التي لديَّ والتي كتبتُها، والمركَّب وارد حتى في عنوانِها: عام 1981 ــ عام 1982، ثم عام 1983. ثم ß 1986 ß وصولاً إلى عام 1996، ثم 1998 وَما بعد، وقد أَهديتُ نُسَخاً منها جميعاً إلى د. نزار عيون السود مقابل تجاوبِهِ مع طلبي بإهداء نسخة مِن كتابِه المترجَم، بل وصوَّرْتُ له صفحتَين مما كتبتُ في هذا الخصوص تعليقاً على مصطلحِه في هذا الكتاب ــ قبل إهدائهِ ــ وحول التكاملية والتركُّبية والتراكُبيّة والمنظومية، والسينيرغيتيكا، كأحد علوم وحقول المنظوميات، وكان هذا كله منذ شهور، وكل الإيحاءات تشير إلى أنه مع آخرين قابلتهُم في مدخل مسكني المشتَرك مع د. تيزيني. قد زاروه، بل وأزعم، افتراضاً قوياً، أنّهُ أَطْلع د. طيب على هذه الأوراق والمنشورات في التركُّبيَّة والتراكبيّة، وإلا لاستحال استخدام د. طيب لمفهوم التركُّب ذاتياً، مما هو جاهز بين أوراقي مع التراكبيّة أيضاً مِن عام 1996 في منشوري في مجلة الروَّاد.

***

 

الجمعة 5/9/2014 عصْراً ــ تابعْ

وستجد ملامح التأكيد على تمايُز التأويل والتفسير قصْدياً كما فعلتُ مِراراً وكثيراً، وبما يُناسب واقع الخلْط العربي و«عَبّاس بدبّاس» و«كلّه عندْ العرب صابون» و«ضايعة الطاسة»…إلخ. فتجد د. تيزيني قد وعى قصدياً ضرورة إيرادهما معاً لبيان التمايُز والإفصاح عن الخِلاف: «منطق التأويل، وربما كذلك في منطق التفسير…»… «في هذا المنْعطَف النظري والمنْهجي، يتعاظم الفِعْل الذِهني النظري والمنهجي…»… وإذا وضعنا في الحسبان الصراعات على السلطة والثروة… [أُقْنومان/ قطبان حدَّدْتُهما وأبرزْتهُما منذ كتابي الأول عام 1966 ــ «أفكار متواضعة»، وهو لدى د. طيب أيضاً م.ن]…. منظومة المفاهيم المركزية… نقطة البدء في أنّ الموضوع المعني ذو بنْية منفتحة… أتت الوسطية بوصفها مشكلة معقَّدة… وهذا ما جعل المصطلح المذكور ذا بنية مركَّبة وتخومية [تذكَّرْ بين ــ الاختصاصية والحدِّية لديْنا ــ م. ن] مفتوحة..» تابعْ معي ما ستجده مُتصادياً تماماً مع محتوى دراستي عام 1996 (… «حول الدراسات والمناهج والمشكلات العلْمية المشْتَركة…»): «… ما أنتج مشكلات كانت منطلقاً لتحالفات وتقاربات، أو لخِلافات وصراعات. وهذا يعني أن مسألة الوسطية تمثل قاسماً مشتركاً في حياة أولئك وغيرهم.»… أحوال كانت الوسطية فيها قاسماً مشتركاً بينها… الصراعات الأخرى من النمط الطائفي والمذهبي دلّت على إمكانية محاصرتها أحياناً دونما لجوء إلى السلاح والعنف، وذلك بوساطة «العقلاء والحكماء»… [قراءةُ هذه تذكّرني بمصالحةِ حمص الأخيرة الكبرى افتراضياً وباراسيكولوجيّاً م. ن]… ولمّا كان الإسلام ذا سطوة وسيطرة في المجتمع العربي الإسلامي، فقد تنبَّه المعنيّون إلى أهمية دورِه وخطورتِه… إن القراءة الوسطية للإسلام أمرٌ ذو أهمية بنْيوية استراتيجية… ما يحتّم على المعنيين… الأخْذ بالحسْبان مسألتَين اثنتَين.. التفكُّر حول أشياء لا نهائية يتجاوز أفق تفكير الإنسان فيها… تحويل الدولة إلى «دولة أمنية» تُشرف بيد حديدية على السلطة والثروة والإعلام والمرجعية المجتمعية السياسية… وضعنا بالحسبان هذا العامل الأخير المركَّب في سياقِه. من الأحداث السياسية الاقتصادية الكبرى ذات الطابع الدولي… هذا كله تَرافق مع استيلاد ما راح يتحوَّل إلى ظاهرة خطيرة عظمى بامتياز، هي الإرهاب المحلي والإقليمي والدولي. ولو تابعت لاحقاً لوجدْتَ كثيراً من مقولات: صراع الحضارات، وما بعد الحداثة… والعولمة… فَرانسيس فوكوْياما… العالَم المعَولَم… الاعتبار الابستمولوجي (التأسّسي النظري). [أعلِّق هنا: أنِ الحمد لله أنَّ أحداً ما مِن سورية، ومن جامعة دمشق ما عاد منذ اللحظة يَرى في الابستمولوجيا مجرَّد علم العلم ــ م. ن…]…. موضوع بَحثنا المخصص بــ «الوسطية الإسلامية»؛ أي الظاهرة التي تمثّل ــ كما لاحظْنا ــ مصطلحاً مركَّباً وتخومياً

***

الجمعة 5/9/2014 مساءً ــ تابْع

… نشوء النظام العالمي الجديد ــ العولمة ــ وعبر بعض ما ظهر في ظله من تيَّارات أيديولوجية، وخصوصاً منها «نهاية التاريخ» و«المابعْديات»… عالم السوق المعولم… حيثيات النظام العالمي الجديد ــ العولمة. وستجد في دراسة د. طيب شيئاً كثيراً عن التآثر والعلاقة بين المطلق والنِسبي والنهائي واللانهائي ما يُعيدني قَسْراً وبقوة إلى أجواء وعناوين ومَحاور كتابي الأول في الستّينيات (والذي هو لديه)، وستجد لدى د. طيب انسحاباً تدريجياً وتراجُعاً وتملُّصاً مِن معنى علم العلم لمصطلح الابستمولوجيا ممّا تَوافقْنا عليه آخرَ لقاء ــ قبل هذه اللحظة وهذا التاريخ ــ وعلى أنها نظرية المعرفة لا زيادة ولا نقْصان، وذلك في تسْمِيتِه الواردة ص30 من الدِراسة المذكورة: «في حقل الدراسات المعرفية»… «الصدى لا يمكن ابستيمولوجيّاً أن يتطابق مع الأصل…»… الخلاف والاختلاف والتصارع…

د. معن النقري

من سلسلة تفاعليّات / تجاوبيّات/ تَصادِيات تركُّبيَّة ميزوْ اختصاصيّة

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *