يوميّات تفاعلية حرَّة (1)

د. معن النقري

مِن مدخل عام بعنوان: مذكّرات وأوراق مفْصلية حرّة:

السبت 14/4/2012 ليلاً

المذكّرات الحرة ستعني، فيما تعنيه، أنها حرة زمنياً: من أقصى آفاق الماضي والتجربة أو االتجارب الذاتية الحاليّة إلى أقصى أحلام واستشرافات المستقبل واحتمالاتِه الواقعية أو حتى الهلوسية احتمالاً، لكن الذي يُؤطّر ذلك هو تاريخ التسجيل فقط وبدءاً من اليوم، هي طريقة لالتقاط الأحلام و«الأوهام» والخواطر والذِكريات وتوثيقها، سيما وأنَّ هذه الفعاليات النفسية والفكرية الحرَّة هي التي لا تخضع للتقنين أو التثبيت أو التوثيق… فتبقى مبعثرةً وعرضةً للضَّياع والهدر، مع أنَّها تشمل كثيراً من الحالات الشعورية واللاشعورية التي قد تكون هامة أو استثنائية في حياة الإنسان، بل حتى أحلام النوم (المنامات)، عند تحليلها وفكِّ طلاسِمها، تحتوي معلوماتٍ وعِبَراً ودروساً هامة تستحق الوقوف والاعتبار أحياناً، هذا إضافةً إلى عالم الباراسيكولوجيا الجادّ والموجَّه والفاعل في نشاطاتي والذي يكون تجاهله لمجرد المسايَرة ومراعاة قناعات وحدود ومعارف الآخرين، البعيدين عن هذا كله، نوعاً من خِداع الذات والكذب عليها وعلى الآخرين أنفسهم، نوعاً من الضحك على الذقون، خصوصاً حين تكون كثير من الظواهر والفعاليات الواقعية الحاسمة، وعلى كافة المستويات من أبسطها وأصغرها إلى أشمل وأعقد العمليات الدولية/ العالمية والتاريخية، في حالات، هي من مفْرزات ومخاضات الحياة اللاشعورية، أو الشعورية الإرادية الموجَّهة، ومن آثار تجربتي الباراسيكولوجية التي أعيشُها في حالة الوعي والإدراك الهادف الفعَّال منذ بدايات الثمانينيات على الأقل، وفي حالة اللاوعي والممارسات الهلاميّة غير الواضحة وغير المتبلورة تماماً، أو غير المنظمة ولا المضبوطة أيضاً قبل هذا التاريخ، وعلى الأقلّ من عام 1977 – عام رجوعي إلى الوطن بعد اغتراب ستّ سنوات متواصلة تلَتْ سنَّ العشرين والشباب المبكِّر مباشرةً، وهكذا فقد تكون تجربتي الحياتية الباراسيكولوجية الحقيقية الواقعية – وليس النظرية الأكاديمية التي تعود إلى الستينيَّات – قد بدأت في سنّ العشرينيّات لتتَّسع وتتعمّق وتتشعَّب لاحقاً وحتى الآن بلا انقطاع بالغةً درجة الاحتراف والدقة والشفافية الباهرة على مستوى دقيق وعالٍ وراقٍ.

قد يكون الدافع الأساس أوّلاً، مع دوافع كثيرة أخرى، هو الإخلاص للحقيقة أساساً كي لا تبقى ظواهر وعمليات حاسمة ومفْصلية وباهرة بعيدةً عن تفسيراتها الفعلية، وبغض النظر عن قناعات العامَّة وتحبيذاتهم وما يرضيهم ويُساير منطقهم ومستوى وعيهم وثقافتهم، بهذا سيكون ممكناً إضاءة قضايا مفصلية هامة وانعطافية بلا رتوش زينة، ولا ديبلوماسيَّات خدَّاعة، أوْ مهادَنات ومداهنات قد لا تلزم على كرسيّ الاعتراف في عالم المذكرات الصريحة الواضحة والشفّافة.

***

يوميات تفاعلية حرّة

الإثنين 29/10/2012 نهاراً

ربما لأول مرة أشعر بالحريّة الكاملة فكرياً وكتابيّاً بعد بلورة وإنضاج نهج طليق مجنَّح لِفكّ قيود الكتابة وتحريرها من الأسْر بكافة أشكالِه وعناوينهِ وتلاوينه، وسأكون بدءاً من الآن جاهزاً لتسجيل أيّ شيء وكتابة ما أشاء حيثما أشاء وآنما أشاء، وستكون الأوراق والقصاصات البيضاء ملازمةً لي كظِلّي دائماً حيثما وآنما كنت بحيث أكون حرَّاً في توثيق وتثبيت وصيانة أي فكرة أو خاطرة أو بادرة أو علم أو حلم أو معلومة أو معرفة، وسيكون هذا عملي الأساس الذي يتزامن ويترافق مع أيّ نشاط آخر مهما كان، وفي هذا الأفق المفتوح ربما صدق القول جدّيّاً وتأسيسيّاً أنني أجد نفسي وأحقّقها وأُؤكّدها أكثر وأعمق من أي وقتٍ مضى، وليس من الضروري أن تأخذ طريقها حالاً إلى النَشر فالأهم هو ابتداع طريقة لحفظها وصيانتها من الضياع والاندثار وتثبيتها آنياً حالما تظهر، ولا خوف عليها بعد ذلك فسأجد سبيلاً لحمايتها حتماً من التعدِّيات وبالوسيلة التي ستفهمُها وتتعامل معها أجيالُ المستقبل.

الخميس 18/11/2012 تابع نهاراً

والخلاصة أن أيَّ إشراقات وخواطر وأفكار خاطِفة ومفاجئة أو ذكريات أو تصوّرات مما لا يجوز إغفالها أو تجاهلُها وغير مؤطَّرة منهجياً في سياقٍ محدَّدٍ زمنياً ومحوريّاً سوف تتحول إلى هنا حالاً.

لقد كانت تجربة تنضيد الكتاب الأخير المشار إليه متعبةً تماماً فالأخطاء كانت كبيرة وكثيرة ومتكرّرة، والتصويبات كانت تترافق بتجديد أخطاء التنضيد أو فحْشِها أحياناً، لكنَّ أكثر ما أثار قلقي مِن بينها أخطاء تنضيد المعادلات الرياضية في قوانين النسبية الخاصة لدى اينشتين، لأن ما تحت الجذر من رموز لطالما تحوَّل من الأعلى (المقام) إلى الأسفل (البسط) أو العكس، والمَضاريب تحوَّلت إلى تقاسيم أو العكس، والجِداء حل مكان الطرح في حالاتٍ أُخرى، وقد أنهكني التدقيق كلَّ مرة في تصحيح الصيغ اللازمة رجوعاً إلى الأصول التي سجَّلتُها يدوياً لِشدّة الشَبه، ومع ذلك كانت تنشأ مفارقات وأخطاء جديدة باستمرار، وكان تكبير أو تصغير الحروف إخراجاً يجعل الطَرْحَ جداءً في بعض الحالات بسبب تراكب وتداخُل الرموز ضمن بعضها. وأعتقد أن هذه مشكلة لم أنتبه إليها كفايةً من قَبْل لندرة احتياجي إلى المعادلات والصيغ الرياضية، لذا لا أستغرب أن تكون حصَلت إشكالات وأخطاء مشابهة في تنضيد المعادلات الرياضية من نسبية آينشتين الخاصة حتى في كتابي الأقدم حول «الفيزياء النسبية والفلسفية» الذي كتبته عام 1979، ثم قامت دار الحقائق في بيروت تكليفاً بمتابعة التنضيد والتصحيح ذاتياً بغيابي نظراً لسفري مجدداً إلى موسكو لمدة سنوات مع بدء تنضيده وبالتالي نشره في بيروت، فالتجربة الأخيرة أثارت انتباهي إلى سهولة الوقوع في الخطأ الرياضي لدى تنضيدنا محلياً لأنهم يتعاملون مع المعادلات وكأنها مجرد حروف أو رموز ولغة عادية ولا يشعرون بخطورة أي تغيير بسيط على صحة ودقة الحقيقة الرياضية كلها، لذا وحتى الآن ونتيجة إعياءات التصحيح المتكرِّر بلا طائل أعتقد أن الصيَغ الرياضية بقيت في حالة لا يُطْمَأنّ لها، ولاسيما مع شارة الطَّرح (-) التي اندغمت بما يليها فصارت جزءاً من السطر التالي الذي يفصل الصورة والمخْرَج (البسْط والمقام..) نتيجة تكرُّر التصحيحات والإخراجات والتصغير…إلخ.

منذ أيامٍ خطر لي أنَّ صيغة «قال لي» و«أوقفني وقال لي» طريقة ناجحة في تدوين خواطر الأفكار وتواردها عفو الخاطر منذ مئات السنين.

الخميس 8/11/2012 مساءً/ليلاً

لطالما اعتبرتُ مجردَ تسجيل شيءٍ ما ضرباً من فقدان ملكْيَّتهِ والسيطرة عليه، في الحال، أمَّا الآن فأعتبر – ومنذ حين – الأمر الأصح هو العكس، لأن أيّ بادرة أو إشراقة ستتحول مباشرةً إلى المشَاع والملك العام سواء سجِّلت أم لا، لذا فأضعف الإيمان أن يجري تسجيلها كي توجد في حيّزٍ ما وفي زمانٍ ما موثَّقةً، وهذا خيرٌ من أن لا يبقى لها أثر لدى صاحبها، في حين ستصير حتماً متاعاً ومشاعاً لآخرين يمتلكون التقانات العالية والوسائل المتطورة لصيدها.

الخميس 8/11/2012 مساءً/ليلاً

في أحد أعداد جريدة الثورة ليوم الأربعاء 7/11/2012 إثارة متميزة ورائدة لموضوع «الاستشراق في الموسيقا العربية» قام بها «علي الأحمد» وهي تستحق الوقوف والمتابعة.

– على خلاف العادة، إذْ نادراً ما صادفْت موضوعاً في الصحافة يتطرق مباشرةً إلى موضوع الباراسيكولوجيا وبعنوانٍ مباشر وصريح، فقد وجدتُ في جريدة البعث ليوم الأربعاء 7/11/2012، ص11 الثقافة موضوعاً كهذا بالعنوان الصريح ولكن في صيغة «الباراسيكولوجية» (لكأنَّه في حالة الصِفة لشيءٍ ما وليس كاسم مستقِل لعِلْمٍ ما) والأهم من ذلك أن المضمون ضحل بعد قحطٍ وقحلٍ وندرة في موضوعاتٍ كهذه ولا يمسّ موضوع هذا العلم فعلياً إلا بتشويهٍ وتقزيم بفهم هذا العلم على أنه ضرب من التنجيم وضرب الفالْ والتنبؤ بالمستقبل بصورةٍ زائفة.

– صحافتُنا مليئة هذه الأيام ومنذ شهور وبضع سنين بالحديث عن المشروعات الصغيرة والمتوسطة وأهميتها الكبيرة لظروفنا وخصوصيَّاتِنا، الحقيقة أستطيع الزعم أنني أوَّل من أرسى أسساً كهذه منذ أكثر من عقد، وسبقتُ إلى اقراحِ إلقاء محاضرة في فرع دمشق لنقابة المهندسين حول أهمية هذه المشروعات والشركات وأشكال الإنتاج المؤسسية الصغيرة والمتوسطة منذ بدايات هذه الألفية الجديدة، على الرغم من تثبيطات وإعاقات زملائي في اللجنة الهندسية المتخصصة في الفرع حول «الصناعات والهندسة الصناعية» التي واظبتُ على الاشتغال والنشاط فيها سنوات عديدة، على أساس أنَّ الترويج لهذه الصناعات بالذات انبثق من صلب اختصاص اللجنة، وقبل ذلك وربما منذ أواخر التسعينيات وكذلك في كتابي حول «الاتجاهات الأساسية للثورة العلمية – القتنية» ومحتوياته المنشورة قبْلَه في الدوريات أسّستُ للحديث عن قصة «الصغير جميل» Small is beautiful في تنظيرات غربية مختصة بنقل التكنولوجيا وتحديد التقانة الملائمة/ المناسبة للبلدان الفقيرة والمتخلفة التي تتوفر وتفيض فيها اليد العاملة وتأتي تقانات صغيرة كهذه حلاً معقولاً لمشكلات البطالة فيها ولغيرها من مشكلات اقتصادية واجتماعية.

الخميس 8/11/2012:

وقد كان وارداً طرح هذه المسألة في مؤتمر/ندوة/ في معهد الإنماء العربي في بيروت عام 1998/ بدايات كانون الأول في ورقتي البحثية بعنوان «آفاق البحث العلمي العربي في ضوء الاتجاهات الأساسية للثورة العلمية – التقنية»، والتي نُشِرت أيضاً في مجلة الفكر العربي العام التالي /1999/ في العدد المحوْري المخصص لتغطية مواد هذا النشاط، وأمَّا بدايات اهتمامي بالمشروعات والصناعات والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ولاسيما تطبيقاً على خصوصيات العالم النامي فالعربي فالمحليّ، فكانت منذ الثمانينيّات عبر مراجعتي وفرزي لما هو أهم وأكثر إثارةً للاهتمام في سلسلة مجلة مجلات/ أو مجلة مراجعات – الاقتصاد، بشقيّ هذه السلسلة – السوفييتي والخارجي (أو خارج السوفييتي أي الدولي) – والتي كانت تصدر دوريّاً كلّ منهما كلَّ شهرين، والتي كنتُ مشتركاً فيها شخصياً وتصلني للاقتناء بانتظام منذ بدايات الثمانينيات حتى عام 1992.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *