الرماديون

 هل هي الأيام ذاتها، تغيّر جلدها؟ أم أنّه التاريخ لا يعيد نفسه لكن الأحداث تتشابه؟

علمياً ومنطقياً الاحتمال الثاني هو الحقيقي، لكن هل هذا يعني أن الاحتمال الأول خارج نطاق الطرح المنطقي؟ ماذا عن هذا التطابق المريب بين الدقائق والساعات القادمة، التي وقعنا فيها في فخّ الحيرة، نرنو إلى الشاشات بأعين ملتهبة من الأحمر والعاجل، المشتعل كوميض النبضات القلبية، نبضة، نبضة، وبين ماضي الأيام القادمة، تلك التي مرّت أطيافها الملموسة بالأنفاس والمشمومة بالنظر، فوق هامات السوريين –ليس جميعهم طبعا- كغيمة من حديد ودم، أوقات بلا رحمة هُدّدنا بتهشيمها فوق دفاتر مذكراتنا الزائدة، بعد أن ضاقت ذاكرتنا الذاتية بسيناريوهات الحروب السابحة فوق شعرة بين هاويتين.

ولكن، مهلاً، تلك الأوقات لم نشعر بثقل وطأتها رغم قسوتها، تقاسمنا الألم جميعاً كرغيف خبز، فلم نشعر بضراوته، لأنّ أكتاف السوريين التي اجتمعت على قلب رجل واحد حينها، وذلك لرفع أطراف جهنم عن الوطن، التفت عضلاتها وقلوبها وأرواحها حول بعضها البعض، حملت النوائب والخطوب بأطراف سخريتها من عدالة الأمم المتحدة، تلك العدالة الذليلة، التي نعرف مواقيت قيامها وأسباب فروضها، ليس من تاريخ احتلال العراق وتدميره فوق أجساد أهله، بحجة الغرب بعجره وبجره، الجاهزة دائماً مثلما هي الآن بالنسبة لسورية، وضبت وطهيت مقاديرها على نار حرب تكسير الأصابع واستهلاك الأنفس، الإرهاب الذي يضربنا ونحاربه هو ما نُهدد به يوميا، ومِن مَن ؟ من كنا نناديهم بالأشقاء، أولئك الذيم كانوا يجيئون إلى سورية بلا أي قيد، وسورية هي البلد الوحيد في العالم، الذي تعامل مع هذا الموضوع، معتبرا أن (الأشقاء) لا يحتاجون لها، فقلبها يتسع للجميع.

الإرهاب الذي يتنفّس الخطوط الحمراء التي رسم زيحها المتورّم، “البوشين” سابقاً ومن جاء بعدهما، أما تحويل تلك الخطوط القانئة من حبر الكلام إلى ألعاب دموية مجنونة، قد تولّت تكلفته المادية الباهظة كالعادة ممالك الرمال والنفط القاتل، “بعقالاتها” المحاكة بمدينة المطر “لندن”، وبأسعار باهظة، ومن “باريس” صاحبة الخصر الأعلى دموية، باعتبار أنّ سيقان ديمقراطيتها تقف على أكثر من مليوني جمجمة عربية، ولا من ذلك اليوم الذي انهمرت فيه عناقيد الغضب على ضحكات أطفال قانا، وبقرت الأسلحة البيضاء بطون حوامل صبرا وشاتيلا ودير ياسين وكفر قاسم، ليست تلك الأزمان المفتوحة كجرح لا يندمل في أخيلتنا ووجدانياتنا كسوريين أبداً، هي دليلنا الوحيد والأكيد على خسّة ونذالة العم سام التي يقود بها العالم نحو الهاوية، فما زالت كلمات مارتن لوثر كينغ، المقهورة من الظلم العنصري الواقع على أبناء جلدته، ترنّ فوق المنابر في مونتغمري، التي لم تخل من متظلمي راعي البقر الأمريكي، منذ أخطأ المغضوب عليه “كولومبس” واكتشف تلك البلاد التي قطنها الهنود لمئات وآلاف السنين، دون أن يزعجوا الأرض بمرورهم فوقها، حتى وصل مشردو أوروبا ومتسكعو حانات سجونها، وهم مصابون بحمى الذهب، إلى تلك الأرض، وكان أول ما فعلوه، هو إبادة الهنود عن بكرة أبيهم، قبل أن تشمر السيدة فيلادلفيا عن ساقيها، رافعة شعلة حرية انطفأت جذوتها الإسمنتية، لتلقي على بيت “كينغ” قنبلة التهديد الأولى من أجل أن تخرس صوته، منتظرة منه ومن مريديه أن يقوموا بأيّ عمل عسكري لتكون ذريعتها في أبادتهم أمام الكاميرات، وتحت أنظار العالم الهامد، كاملة الأركان، لكن الرجل اختار للمقاومة طريقاً آخر غير الدم، فنادى بمقاومة تعتمد مبدأ “اللاعنف” أو “المقاومة السلمية” على طريقة المناضل الهندي، المهاتما غاندي، وكان يستشهد دائماً بقول المسيح: “أحبّ أعداءك، واطلب الرحمة لمن يلعنونك، وادع الله لأولئك الذين يسيئون معاملتك” إلا أنّ تلك المواقف الإنسانية للفتى الأسود الحاصل على جائزة نوبل للسلام، لم تلقَ عند الأمريكي العنصري إلا أن يلطخها بالدماء المدمن عليها، لتعلن طلقة “جيمس إيرل راي” نهاية حياة “مارتن لوثر كينغ” مرة واحدة وإلى الأبد ،وهو يحلم قائلاً بخطابه الشهير: “لدى حلم بأن أطفالي الأربعة، يوماً من الأيام، سيعيشون في شعب لا يكون فيه الحكم على الناس بألوان جلودهم، ولكن بما تنطوي عليه أخلاقهم”.

لكن هذا الألم ثقيلاً وقاتماً أكثر من أيّ ألم مضى عليهم، ليس لأنّ التوما هوك والكروز هي من صارت سعاة الجحيم التي انفتحت أبوابها على مصراعيها في بلادنا، ولكن لأنّ اكتاف (الأخوة في الوطن) التي اعتادت على رفع الوجع عن الوطن مهما كان قاسيا، كما ذكرت سابقاً، تغيّرت وجهة همّة بعضها، وصارت عبئاً قاتلاً على الوطن من داخله، وعلى الناس من بينهم، هذا ما يؤلمنا ويوجع عظامنا حتى من منها في القبر!

لكن هذا للأسف لم يحدث في هذه الحرب المسعورة، بعد أن شاهدنا وسمعنا علنا للعديد من (السوريين) على قنوات الدم، يهللون ويشمتون الوطن الذي يريدون له “الحرية”، حرية مسخة، مشوهة، لم نسمع أو نرى قبحها من قبل.

هل ثمّة من رماديين في هذا الوقت الناصع العتمة؟ هل يوجد من يستخدم عقله ولم يصل إلى نتيجة تفيد أنّ العدوان الذي أعد له الأمريكيون والعثمانيون الجدد وأنظمة النفط الجاهلة، لن تفرق بين معارض وموالٍ؟ وهل زمن تلك الرايات السوداء المرفوعة من كلّ حدب وصوب، هو الزمن المناسب حقاً لراكبي موجة التغيير الدموي، لممارسة “ركمجتهم” على الطريقة الأمريكية والسلفية الوهابية؟!

من قال كلمته أياً كانت، وبغضّ النظر عن فحواها، صرنا نعرفه عن ظهر قلب، ولا حاجة بنا لمعرفة أيّة موجة سلكية ولا سلكية سيمتطي، لكن المتلونين الذين لم تلح قرعتهم بعد، ولم يظهروا أمشاطهم، هؤلاء من لا نعرف ومن نخشى في الداخل.

المشهد السوري الآن لا يحتمل التأويل، ولا يحتاج إلى المزايدة، العدو معروف والبوصلة مشرقة الوضوح، لذا فعلى الرماديين، أن يختاروا لوناً محدداً، لأنّ البندقية التي تدافع عن البلاد من كل شر، لن تطمئن أبداً إلى الأشباح.

تمّام علي بركات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *