الأديبة غادة السمان.. عالم إبداعي بلا ضفاف

(لاتكتبوا اسمي على شاهدة قبري/ ولكن سطّروا حكاية حبي، وانقشوا: هنا ترقد امرأة عشقت ورقة/ وماتت غرقاً داخل محبرة).

للوهلة الأولى يظن من يود الكتابة عن الأديبة السورية غادة السمان، أن الأمر هو على غاية من السهولة والبساطة لعدة أمور وقضايا، لعّل أبرزها وأهمها هو العدد الكبير من كتبها وإبداعاتها الأدبية، التي تجمع بين شتى الأنواع والأجناس الأدبية من شعر وقصة ورواية، وأدب رحلات، ومقالات صحفية ومذكرات الخ. يضاف إلى ذلك آلاف الكتابات التي كتبت عنها، ومئات اللقاءات التي أجريت معها. لكن الأمر ليس بهذه السهولة، ولا بتلك السذاجة، دون أدنى شك هي مغامرة شاقة ومتعبة، تبدو كمن يسير ضمن حقل للألغام، أو ضمن: (السباحة في بحيرة الشيطان)– حسب عنوان أحد مؤلفاتها. هكذا هي هذه الغادة السورية، المُتعِبة حد التعب، لمن يحاول القبض على جمر إبداعها المتميز والمميز.

بدأت غادة السمان – ابنة عمة الشاعر نزار قباني – بدأت الكتابة  مبكراً جداً بكتابة الخاطرة الشعرية، ومن ثم القصيدة، بعد نضوج موهبتها الأدبية المبكرة، تمرست غادة في كتابة القصة القصيرة، بعد الشعر، في وقت مبكر جدا،ً فالشعر الذي كان باكورته خاطرة أو لنقل خواطر، تحول فيما بعد إلى قصيدة نثرية، لكن غادة لم تكن أيضاً بعيدة عن ميدان القصة القصيرة، حين نشرت أولى قصصها في مجلة الحائط بدأت بنشر أعمالها القصصية:

(عيناك قدري) 1962 ومن ثم، لا بحر في بيروت، ليل الغرباء، رحيل المرافئ القديمة، زمن الحب الآخر.

يشعر قارئ قصص غادة السمان بأن هناك إلغاء متعمداً للمسافة الفاصلة بينها وبين العديد من أبطالها وبطلاتها، وسعياً للتماهي معهم بنحو يشعر معه القارئ بأنهم لا يملكون وجوداً فردياً، بل هم نماذج عن مبدعتهم نفسها تقول: ” العلاقة بين الواقع الخام والإبداع الفني هي علاقة تكامل وتداخل، وأحياناً يحدث العكس، أي آتي ببعض الشخصيات لأقول فكرة، وأترك تلك الشخصيات تحيى وتتحرك وتنطق هي نفسها على الورق (لست أنا التي أنطق من حنجرتها) وإنما أحاول قدر الإمكان أن أتركها تكوّن نفسها، وإذا بها أحياناً ترتد على الفكرة الأصلية التي جئت بها أصلاً لأجلها، فتحورها أو تنسفها وتناقضها، وهكذا فإنني لا أستطيع أبداً التنبؤ بما ستكون عليه خاتمة القصة”.

في كثير من قصص غادة السمان نجد أن الحلم يتناغم مع الواقع الافتراضي أو لنقل مع أحلام اليقظة، لنصل في النهاية إلى نص قصصي متميز ومميز، يختلط فيه الحلم مع الواقع. عن ذلك تقول غادتنا: أعتقد أن جوهر لقاء الحلم والجنون في أن كليهما تعبير عن الصدق المطلق. ولذا فإن الأحلام تلعب دوراً مهماً في أعمالي، لكنه دور إرادي بمعنى أنني أعي ذلك الخزان المذهل من الرموز والصدق المسمى (الحلم)، ولا أهمل طاقاته الإيحائية والكاشفة أحياناً عما قد يهمله (الوعي) المشغول غالباً بتفاصيل الأحداث اليومية. الحلم عندي امتداد طبيعي لرقعة العطاء، إنه موجود ومقبول لكن مدى قبوله خاضع عندي لسلطان العقل الذي ينظم في النهاية كل شيء. والحلم يحاكي الجنون، ولا أعتقد أن هنالك عملاً عبقرياً دون لمسة جنون”.

الإيروسية: تعني في أدب غادة الحب بمظهره الجنسي، الذي يبحث عن هزيمة للموت، نجد ذلك في قصة: (أرملة الفرح) من مجموعة ( رحيل المرافئ القديمة) تصف لنا الخبرة الجنسية بأصدق معانيها، وذلك بمعاينة البطلة لهذه الخبرة بين السائق (أبو عبدو) وخدامتها (تفاحة) حيث تقول: شاهدت شبحين غارقين في عناق مذهل، اقتربت منهما بكل هدوء وصمت، كان ضوء القمر يشتعل فوق ذرا الأشجار وترتمي حزم منه فوق الحشائش أمام كوخ “أبو عبدو” وتضيء الشعر الطويل المفروش على الأرض لامرأة ترتعش كلهب شمعة، بينما ارتمى رجل فوقها بجسده الهائل كشجرة مباركة، وصارا مثل موجتين اتحدتا، يؤديان رقصة شفافة كالأساطير، مجنونة كالألم. ظللت واقفة أتأملهما بذهول، صارا موجة واحدة تجيء وتروح بشراسة مثل صرخة متوحدة تفتح في صخر الواقع نفقاً إلى عوالم أزلية تلتقي فيها الحقيقة والحلم، ولم يشعرا بي.

إن غادة السمان تتساءل في قصة  (لعنة اللحم الأسمر ) من مجموعتها (لا بحر في بيروت )، فيما إذا كان هنالك رجل يستطيع أن يفهم المرأة عن طريق مشاعرها وأفكارها، وليس فقط عن طريق العلاقة الجسدية. والأمثلة كثيرة نجدها في قصة الساعتان والغراب، وقصة (أرملة الفرح).

غادة السمان والرواية

شيّدت غادة السمان لعالمها الروائي برجاً مدججاً بالمناعة والخصوصية واستطاعت أن تفرض أعمالها على الغرب، الذين هم من بادر إلى ترجمة    أعمالها إلى 17 لغة حية. في روايتها (كوابيس بيروت) نجحت غادة في القبض، على لحظة هاربة تحولت للحظات وشيدت منها عوالم روائية.

اعتمدت الكاتبة في روايتها (بيروت ) أسلوب تيار التداعي الحر، وقد وسّعت هذا الأسلوب في روايتها (كوابيس بيروت) فعالم بيروت المشبع بالجنون والدمار والمشرف على الانهيار انهار في هذه الرواية وتحققت النبوءة، كما أن الأحداث الدامية التي عصفت بهذا العالم هي التي اختارت أسلوب الكوابيس للتعبير عن لا معقوليتها وغرابتها، والرواية مؤلفة من مجموعة من الكوابيس وتبلغ 197 كابوساً وحلماً واحداً اختتمت به الرواية، ويبدو أن هذا الحلم (انفتاح لا متناه للاحتمالات كافة) يبدو لقارئ هذه الرواية أنه أمام مذكّرات يومية لكاتبة مناضلة أشهرت قلمها سلاحاً في وجه هذا العالم المتناقض المشبع بشاعة ومرارة، وإذ به أمام كوابيس تصلح لأن تكون قصصاً قصيرة ولوحات تصويرية، تنوعت وتعددت فيها الشخصيات، واختلفت وتباينت الموضوعات والمحور واحد هو الحرب.

قامت الكاتبة بتسجيل فني وموضوعي لجنون الحرب الأهلية في بيروت، وما أحدثته هذه الحرب من تشويه لما هو إنساني، فمنذ السطور الأولى وضعتنا في قلب الأحداث، حيث التفجيرات والقذائف والموت المزروع في كل مكان، وحيث أصبح الخوف (سيد المواقف ) يطبع كل ما حوله بالجنون (ما يجري في هذه المدينة له طعم الجنون، لهذا القتال لذعة السادية).

وقد فرضت عليها هذه الحرب الإقامة الجبرية في بيتها مع أخيها، فالحي الذي تسكنه تحول إلى جبهة قتال مستعرة، والمعارك في أوجها في الخارج، والمسلحون والقناصون يحتلون الأسطحة لاصطياد البشر واصطياد كل ما يمت للحياة بصلة، ومع أن الخلاص من هذا الجنون أضحى مستحيلاً، فقد استطاع أخوها الهرب منذ الأيام الأولى للحصار، وتركها وحيدة تحاول أن تروّض نفسها على التعايش مع هذا العالم المجنون.

وبينما تقوم بتدوين دقيق للأحداث والممارسات اليومية بكل تفاصيلها وجزئياتها، تروي لنا كوابيسها التي تراها في نومها ويقظتها، حيث تستيقظ حواسها وتطير بها إلى حيث لا تدري، فترتد بنا إلى الماضي، إلى الأيام التي قضتها مع حبيبها يوسف الذي قُتِلَ ضحية دينه عند حاجز للمسلحين على يد تلامذته رمياً بالرصاص أمام عينيها، إنها تشعر بالشوق والحاجة إليه دائماً، تناديه ليذيب بحنانه صقيع وحدتها، ويبدّد بقوته ضعفها وخوفها وبعد أن تنتقل بنا من كابوس قاس ومخيف إلى آخر، نجدها وحيدة خائفة منزوية في دهليز بيتها، الذي تتوسطه مكتبتها الثورية الضخمة، والتي اغتالتها طلقات قناص محكمة، وهذا ما دفعها للإقامة مع جيرانها بعض الوقت، فبيتهم في الطابق الأرضي وهو أكثر أمناً، فتعرّفنا على العم فؤاد الرجل المتقاعد المخلص للسلطة الشرعية، وأمين الابن المتمسك بالعادات والأصول، والذي يفتقد إلى القوة والحزم والقدرة على تجاوز العقبات وكانت كلما أسدل الليل ستره وهدوءه النسبي تسمع في داخلها أصوات الحيوانات الأليفة وهي تصدر أصوات الجوع والتذمر، فتتسلل خفية إلى الحديقة المجاورة لبنائها ومنها إلى دكان بائع الحيوانات الأليفة –الذي زارته مع صديقها يوماً ما– لتتعرف إليها عن قرب وتتفقدها وتمنحها بعض الطعام والماء، وتفتح لها أبواب الأقفاص لتساعدها على التخلص من سجنها، ثم تعود إلى فراشها في بيت جيرانها، ثم لتجمع أشياءها الصغيرة لعل أحد المتطوعين يأتي لإنقاذها، فغرفتها تعرّضت للقصف ومكتبتها التهمتها النيران، وجارها أبو أمين قد مات بالسكتة القلبية، وعليها أن تعيش اللحظات العصيبة مع أمين حتى يتم إنقاذها.

وبعد عدة كوابيس ترصد فيها عالم الأموات والجثث والخطف، وبعد أن تفقد الأمل بالهرب والخلاص، وبعد حصار دام أكثر من عشرة أيام، تأتي مصفحة وتنقلها من هذا الجحيم مخلّفة أمين مع ممتلكاته، لتقف بعدها وحيدة على الشاطئ الآخر من بحر الجنون هذا، ولا تملك سوى حقيبة برتقالية تحتوي مخطوطة كوابيس بيروت وبعض أشياء حبيبها يوسف، ولا تعرف إلى أين تذهب ومن أين تبدأ رحلتها الجديدة.

في الشعر..

ابتكرت غادة السمان طقساً خاصاً تحت ما يسمى بقصيدة النثر، ونشرت أكثر من عمل شعري مثل ديوان: عاشقة في محبرة، وأعلنت عليك الحب. الذي تقول فيه: “لأني أحب/ صار كل ما ألمسه بيدي يستحيل ضوءاً/ ولأني أحبك/ أحب رجال العالم كله،/ وأحب أطفاله وأشجاره وبحاره وكائناته/لأني أحبك/ عادت الألوان إلى الدنيا/ عاد الجنون يسكنني/ والفرح يشتعل
في قارات روحي المنطفئة.

غادة السمان، العاشقة في محبرة، والمغرمة بعيون البوم، وبعدسة ابنها الوحيد (حازم)، كم يشتاقك ياسمين الشام وأهل الشام، ونحن الذين نحبك كثيراً.

البعث ميديا || أحمد عساف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *