“مكافحة الفساد” في ذمة “الإعلام”

ما إن دقت حملة “مكافحة الفساد” ناقوس البدء بطريقها الحاسم والشائك، وبخطوات جادة وملموسة، أُعلنت، ومن أعلى المستويات، حتى بدأت منصات التواصل المختلفة بإطلاق حملات من نوع آخر، أيّاً كانت أهدافها، إلا أنها أهداف مشكوك بها، وبغاياتها، كونها لا تستند إلى حقائق واضحة، وهي ليست إلا روايات لم يُجزم بعد بمدى دقتها ومصداقيتها.

الغريب في الأمر حجم الأرقام التي تُطرح، والمبالغة في تناول التفاصيل، والتهويل بالسيناريوهات التي تُروى، والسرعة الهائلة في انتشار كل هذه الأخبار وتناقلها بين الناس دون يقين بمدى صحتها.

مما لا شك فيه أن ملف محاربة الفساد، كان وما زال، من أهم الملفات التي تعتبر محور اهتمام الدولة والمجتمع، فهو ملف لا يقل أهمية عن ملف “الإرهاب” نفسه، في خطورته وتأثيره البالغ على أمن وأمان كل بلد وكل فرد، اقتصادياً وسياسياً وحتى اجتماعياً، لكن الطريقة التي يتم بها تناول هذا الملف “إعلامياً” يشوبها الكثير من الثغرات.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا؛ كيف يمكن لأي مواطن أن يعلم الحقيقة، وأن يكون على بيّنة فيما يسمع، وهو المتعطش لتقصّي الحقيقة، وخاصة الحقائق التي تخصه وتعنيه وتمسّه على كل المستويات، وإن كان في كل الأحوال سيعرف، وسط هذا الكم الهائل من وسائل المعرفة التي ما من طريقة للسيطرة عليها، أو إدارتها بشكل صحيح أو محاكمتها وتصويبها، فلِمَ لا نقدم له المعلومة الحقيقية ومن مصدرها الموثوق، دون أن يلجأ إلى مصادر أخرى تعتمد في أغلب الأحيان على معلومات مفبركة في سبيل الترويج للمحتوى بغض النظر عن مدى دقته وحقيقته.

لِمَ لا يتبنى الإعلام هذا الدور الريادي والهام، وهو الذي حمل على عاتقه طيلة هذه السنوات مسؤولية وطن عانى حرباً استهدفت كل مقدراته، وأثبت خلالها أنه على قدر هذه المسؤولية، لمَ لا تترافق الحملة ضد الفساد بحملة إعلامية، وعلى أعلى المستويات، وبأقصى الإمكانات، تترجم فيها الحقيقة ويتسيّد فيها القانون، وبمنتهى الشفافية والوضوح، بذلك يكون الإعلام قد تبنى قضية هو الأجدر أن يتبناها، ليقدم فيها الحقائق كما هي فعلاً، بدقتها وتفاصيلها، لتكون البديل الصائب عن كل المعلومات العشوائية المتناقلة والتي تتضمن الكثير من المبالغات والمغالطات.

نحن أمام مشروع وطني بامتياز، له علينا كل الحق، أن يقدم بشفافية ومصداقية، كما أن للمواطن أيضاً كل الحق أن تقدم له الحقائق بشكل دقيق بعيداً عن كل الشائعات التي تحيط به، فمن حقه أن يرى ويعلم، كي يزداد يقيناً أن حقه كان ومازال مصاناً، وأن العدل يتحقق في وطنه الذي عانى الكثير، لكنه بقي صامداً بفضل الأوفياء فيه، وحانت الساعة الآن ليلفظ كل من خان نفسه حين خان الأمانة.

 

هديل فيزو

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *