الجريمة الكبرى.. والتحولات الجيوسياسية؟

الجريمة الكبرى.. والتحولات الجيوسياسية؟

وفق الأمثال الشعبية ” غلطة الشاطر بألف ” فكيف إذا كان المخطئ أحمقاً ويتسلح بإرث من التفاخر بسلطة القوة والتفوق العسكري على شعوب العالم ودولها ، في خضم ردود الأفعال الدولية والشعبية المتباينة على الجريمة النكراء التي اقترفتها إدارة الرئيس ” دونالد ترامب ” باغتيال الجنرال ” قاسم سليماني ” ونائب قائد الحشد الشعبي العراقي السيد أبو مهدي المهندس ورفاقهما في اعتداء غادر يُمثل حقيقة العقل الأمريكي المتأصل في الأعمال الإرهابية ضد الدول والشعوب والأفراد ممن يرفضون الخنوع للهيمنة الامريكية الاستعمارية ومصالحها المفرطة في اللصوصية وسرقة مقدرات الأمم الأخرى ، وليس آخرها سرقة النفط السوري ، لتأتي جريمة اغتيال الحاج ” سليماني ” ورفاقه في مرحلة حساسة من تاريخ المنطقة والعالم حيث وتضع المنطقة على صفيح ساخن وامام احتمالات عديدة ، سيما وأن الإيرانيين باشروا بتنفيذ الرد الأولي على تلك الجريمة البشعة التي لاقت إدانات وردود فعل أمريكية عديدة في مقدمتها من ” جو بايدن ” نائب الرئيس الأمريكي السابق والمرشح المنافس للرئيس لـ” ترامب ” في سباق الرئاسة الأمريكية القادم حيث قال : ” ترامب وضع اصبع ديناميت في برميل بارود “إضافة إلى الإدانات الشعبية الكثيرة ،إشارة إلى حجم الكارثة التي اقترفها الرئيس ترامب بتنفيذ هذه الجريمة الكبرى بشكل متعمد ومدروس ، وما تحمله من منعكسات خطرة على الأمن والسلم الدوليين ، مخالفاً بذلك كل القوانين والشرائع الدولية التي تدين الجريمة الدولية المنظمة وتمنحها صفة إرهابية وفق كل المقاييس التي يحددها القانون الدولي والقوانين المحلية كما أوضحت ذلك الخارجية الإيرانية في ردها على الرسائل الأمريكية التي تسلمتها إيران .
إيران بلد محوري وأساسي في المنطقة ، ويهمها بكل تأكيد استقرار المنطقة والعالم وتسعى بكل إمكاناتها لمنع حصول حرب مدمرة قد تحرق الأخضر واليابس فيما لو حصلت ، لكنها في الوقت ذاته لن تسمح لأي قوة في العالم مهما كان حجمها وموقعها بالاعتداء على أراضيها وشعبها دون أن تلاقي العقاب المستحق ، وإن ابتلاع الرئيس ترامب للضربة الصاروخية الإيرانية على قاعدتي ” عين الأسد ، ومطار أربيل ” وإعلانه أنه لا خسائر أمريكية وأن كل شيء على ما يرام ليست كافية ولن تكون ثمن الجريمة ، وهنا نجد أن الحد الأدنى للضريبة التي على الإدارة الأمريكية تحملها هو إخراج قواتها من المنطقة بالكامل وإعادتها إلى بلادها دون مماطلة أو تأخير ، ونقصد من الأراضي العراقية والسورية ومياههما الإقليمية على وجه السرعة قبل أن تضطر إلى استقبال جنودها بالشكل الأفقي !
ما سمعناه من قادة محور المقاومة والقيادة الإيرانية وممثلي الشعب العراقي خلال الأيام القليلة الماضية ، وما تحمله زيارة الرئيس ” فلاديمير بوتين ” الهامة جداً في توقيتها ومضمونها إلى سورية ولقائه السيد الرئيس بشار الأسد وزيارة الأماكن التاريخية والمقدسة في دمشق وما تحمله تلك الزيارة من رسائل عديدة ، وتدشينه لخط الغاز في تركيا ، كل ذلك مجتمعاً يدل على فرض تحولات جيوسياسية واسعة في المنطقة والعالم ، على الإدارة الأمريكية وأتباعها قبولها عن طيب خاطر أو عن عدمه ، لأن إيران ومحور المقاومة الذي أصبح العراق مركزه بحكم الجغرافيا والتاريخ ، ليس البقرة الحلوب التي يتغنى باستنزافها الرئيس الأمريكي في تغريداته على وسائل التواصل ، وامام اللوبيات الصهيونية ، وتستطيع بإرادة شعوبها ومساندة حلفائها الحقيقيين المخلصين في العالم توجيه ضربة مؤلمة جداً للولايات المحتدة الأمريكية وغيرها ممن يفكر بالعدوان عليها وعلى مصالح شعوبها بعد ان وصل الحوار والمفاوضات إلى طريق مسدود .
تنصل القيادة الإيرانية من التزاماتها النووية التي حددها اتفاق (5+1) ، وإعلانها العمل على زيادة التخصيب ، هو ردة الفعل الطبيعية على انسحاب الإدارة الأمريكية من الاتفاق النووي الذي تم توقيعه عام / 2015 / وعجز الدول الأوربية عن تنفيذ الخطة البديلة التي تم الاتفاق عليها مع إيران ، وهي حق لإيران التي تحملت الحصار والعقوبات لعقود وهي تفاوض بنفس هادئ ليس من موقع الضعيف ، بل من موقع الحريص على علاقات دولية متوازنة تضمن مصالح الشعوب وتهدف إلى رفع الظلم عن شعبها وغيره من شعوب المنطقة والعالم المظلومة ، وبناءً عليه يجب على الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية أن تتحمل تبعات تلك التحولات الجيوسياسية والخنوع لإرادة الشعوب الساعية إلى استقلالها وحريتها ، والكف عن دعم التنظيمات الإرهابية في المنطقة تحت أي ذريعة كانت .
محور المقاومة حدد شروطه بكل موضوعية ووضوح للخروج من تلك الأزمة الكبيرة التي صنعتها وترعاها الإدارة الأمريكية لخدمة المشروع الصهيوني العالمي الهادف للسيطرة على المنطقة وإغراق دولها وشعوبها بمنازعات محلية وإقليمية طائلة، وأول تلك الشروط وأهمها سحب الولايات المتحدة قواتها وقواعدها من المنطقة ، حرصاً على حياتهم ومستقبلهم ووقف دعم التنظيمات الإرهابية بكل أشكالها وألوانها ، ووقف كل أشكال الحصار والعقوبات عن الشعوب الفقيرة ، وفي المثل العام “لقد أعذر من أنذر”؟

محمد عبد الكريم مصطفى
Email: Mohamad.a.mustafa@Gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة