الشاعرة السورية “لما القيّم”: ريشة الضوء

الشاعرة السورية “لما القيّم”: ريشة الضوء

“الشعر ومتى اكتملت أركان إبداعه بمختلف أنواعه، بغض النظر عن اللغة  التي يُكتب بها، سواء كانت محكية أو فصحى، المهم أن يؤدي غرضه”، “لا نستطيع أن نطلق على كل ما يكتب بالفصحى شعراً، وكذلك الحال في المحكي، فالشعر بنيان متكامل، وهنا أنا لا أُعرف الشعر، لكني أسلط الضوء على ما يمكن أن يكونه، فالشعر يجب ألا يكون جميل المظهر رثّ المعنى، وعلى هذا البناء أن يكون منجزاً بإتقان من ناحية الصياغة والصورة الشعرية والموسيقى والدهشة، وهذه الأدوات كلها تُسخّر لخدمة المعنى، في هذه الحال فقط أنا لا ألتفت للنص بأي لغة كُتب”، هكذا ترى أو تصف الشاعرة السورية “لما القيّم” الشعر عموما، فعلاقتها فيه لم تبدأ بقرار اتخذته، بل كان وما يزال نبض تشعر به في كيانها كله، أنه يجعلها ترتجف من قصيدة تتلقاها بروحها كلها، لا سمعا فقط أو قراءة، وهي تذهب أبعد من ذلك بجعلها الشعر حرفة يجب امتلاك ناصيتها بأدواته وشروطه وقبل ذاك وذاك، هو منحة تحييها الأرواح  الشفافة التي يسقط نورها عليها  فتضيء .

تعتبر “لما” أن الإنسان إما أن يكون شاعراً يمتلك إحساساً عالياً أو لا يكون، ربما تختلف طريقة الصياغة الشعرية، فالسائد أن للشعراء الرجال قدرة أكبر على صياغة نصوص متينة المبنى والمعنى، وهي متطرفة قليلاً لصالح الصورة ومغزاها على حساب الصيغة الصلبة، ضاربة مثالا عن ذلك بقولها” إن الشاعر الرجل يستطيع أن يخلق أنثى تنطق أفضل من ذاتها في قصائده، سعيد عقل مثلا و كل ما غنّته السيدة فيروز ومنه “بحبك ما بعرف هنّ قالولي ومن يومها صار القمر أكبر ع تلالنا وصارت الزغلوله تاكل ع إيدي اللوز والسكر”، من يستطيع أن يصل لكوامن أنثى كما فعل هنا ؟ أو (ومرجوحتي تودّي وشوف القمر حدّي تقلي انت لا تعلّي قلك بعد بدي) وأمثلة أخرى كثيرة لِـ سعيد عقل وغيره من الشعراء الذين وصلوا إلى عمق الأنثى “على بدائية هذه التسمية” وكتبوا بلسانها أكثر مما استطاعت هي حتى الآن.

القاموس الذي تغرف منه “لما” قصائدها المنحوتة بإزميل من ضوء، أو ما تسميه “بيت المونة”، هو الشام وقريتها، وأمها وعشرتها الطويلة نوعاً ما لجدتها وكبارية قريتها، فالتجربة الإنسانية والاجتماعية أكبر مخزون للشاعر، القراءة مورد مهم جداً لأي إنسان يريد أن يكتب عن السينما والمسرح، كما أن المخزون البصري رديف مهم أيضاً لهذا القاموس، الذي يبقى في حالة استيعاب يومية بل ولحظية، لمفردات الحياة ومتغيراتها التي لا تتوقف.

ما من موضوعات محددة تخوض فيها الشاعرة، فهي ترى أن الجمال الذي تقدمه القصيدة والتقنية أو كيف تُكتب، هو المهم، فالمواضيع لم تتغير منذ سنوات طوال، لكن الفرادة في التقاط تلك اللمعة التي لا يراها إلا حس الشاعر، ولا تشعر بها إلا نفسه الحائرة حينا والمضطربة حينا، الصافية كنبع والضبابية أيضا، وتعتقد “لما” أن الشعراء العرب، هم من جعلوا الشعر لغة عالمية وفنا من أمتع الفنون وأكثرها قدرة على ولوج مكامن النفس، ونبش دواخلها وربما تغييرها إلى الأبد “هل تعلم أن للشعر خواص علاجية؟” تقول “لما” ملاحظتها المستندة على دراسات قديمة وجديدة، تؤكد قعلا أن الشعر البديع، قد يكون علاجا من أمراض خطيرة، أكثرها تلك التي تصيب الروح، وعندما تصاب الروح بالوهن، فالجسد سيتبعها في ذلك.

أحيت “لما” العديد من الأماسي الشعرية محليا وعربيا، ونُشرت لها العديد من الدوريات الأدبية، التي وجدت في قصيدتها فرادة وجِدة، تُنافس فيها الكبار من شعراء المرحلة، فالقصيدة انفعال يشبه صاحبه، لذا فإنها تعتبر قصائدها مراياها التي تجيء كما لو أنها تنظر في مرآة،  تقول في واحدة منها : “أنا جيدة لابأس/ لم أبكِ يوماً/ لم أنتحب لليأس/ أنا جيدة فلا تعط للخبر اهتمام، فهنا النساء يصرن شوكاً/مرّ عليه السلام/ هذا بفعل الطقس/ من أخبرك أني أنام على يدي حين تغيب؟/ أنا جالسة وأتابع الأخبار/ أسندت أمسي على غدي/ من أخبرك أني أنام على يدي؟/ لا لست في وضع..انتظار/ أنا جيدة/ وهنا النساء يصرن حبراً، فلا تعط للخبر اهتمام/ املأ دواتك والسلام/ أنا جيدة/ ولقد كتبت ما كتبت/ بفعل ضربة شمس/ فلا تعر بالا لهذا/ وأرخي على هذا الغياب، ستائر المنام” .

هموم الصبايا وأحوالهن ليست وقفاً على العريس والمرآة، وحتى العمل بأي منصب كان، فالعديدات منهن يحملن بين أفئدتهن هماً أدبياً وفكرياً حقيقياً، يتجلى بقدرتهن على زيادة سعة هذا العالم وهذا الأفق، لما القيم شاعرة سورية، يضحك لحروفها قمر أيلول، فتغازل قصيدتها مطر تشرين وكروم الصبح، لديها أسئلتها العميقة في القصيدة التي تنفعل عن جوانياتها بعفوية طفولية حميمة وبصدق يجعلها حارّة وقريبة من ضمير المستمع وإحساسه الفطري بالعذوبة وبالفجأة التي ستدهشه تفاصيلها كشاعرة صبية تكتب الشعر إنما بضفائرها.

تقول في “حِنّه البلد”: “وكتار هالعرسان وطرحات زهر اللّوز تسابقو لَيها/ ونيسان وطّا يبوس إجريها/ علقت بكمّو شْقايق النّعمان/ ولفّان تمّو عَلّم عليها”.

البعث ميديا || تمّام علي بركات

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة