الجنون الصائب

ربما ستُكتب عنّا كتب كثيرة، روايات ودواوين شعرية، قصص ومسلسلات، أفلام روائية ووثائقية، مسرحيات من كل نوع، عبثي، تراجيدي، كوميدي، سريالي، واقعي، وربما يظهر نوعا يجمع كل ما سبق، ليحاول أن يُقاربنا على الأقل بما يقدم! ربما سيجد أحفادنا تمثالا سرمديا، لا جنس يحدده، بلا ملامح ولا لديه أي رمزية، إلا تلك الرمزية الإسمنتية أو البازلتية، ولعلها “الطينية، هي من ستحمل كل ما اجتمع فينا وخلده بقصد أو بدونه، ذلك الفنان الذي قرر أنه سيقوم بفعل لا ريب عظيم، سواء كان من أبناء جلدتنا أو من حفدة “الفرنجة”، طالما أننا سنكون نحن من يقصدهم في عمله، حتى لو لم يظهر هذا بما اشتغل!
سيعرف التاريخ بأمه وأبيه، كم نحن “مفاجئون، مدهشون”، نحيا ألف موت في اليوم، لكننا لا زلنا نستطيع أن نتنفس الحياة، ولو من خرم إبرة؛ مذهلون، جميلون بما نفعل وبما لا نفعل، هكذا كل شيء بديع وجميل، الشمس مشرقة والربيع لا ينتهي، وصيفنا دائما على الأبواب، المشاكل عندنا لا تُذكر، تافهة، كما هي حال المشاكل في درامانا، “البيئة” منها بشكل خاص، عندما تأتي المشاكل كلها من “النسوان” ودسائسهم، التي كادت تطيح “بشوارب” محمود الفوال، لكن الله قدر ولطف، وكل شيء عاد جميلا، والشغل على أحلى ما يكون و”القاشية” معدن!
تنوعت أفانينا في فهم بواطن الأمور، شعراء ومسرحيون، ممثلون ومغنون، عازفون، تشكيليون وكتّاب رواية، ولدينا أجناس أخرى سنبهركم بها أيها العالم عندما نصحوا من سكرات الحرب، سنذهلكم بقصيدة الومضة مثلا، تلك التي تكاد لا تظهر حتى تختفي وكأنها رشة عطر من النخب ال 100، مثلها مثل معظم الأشياء التي نستهلكها بترف هذه الأيام، حتى المشاعر!، سنستنفر كل مشاعركم حتى تلك التي لا تعونها، بما سطّرنا في كتاب الدهر وأحواله، لا يزعجنكم لون الحبر، فلقد نفذ حبرنا وكُسرت أقلامنا، كان علينا أن نُغمس أصابعنا في حبر أوردتنا، حتى نترك لكم جليل ما صنعنا، فلا يتوه لكم رأي.
المتفرجون والقراء، وعموم الناس، سيعرفون كم نحن أهل فرح، رغم كل ما نحياه ونكابد أهواله، لا تقف عندنا عجلة الحياة حتى لو أنضرب دولابها، نهبط بكل هدوء إلى حيث ثُقبت أرواحنا، نقلبها رأسا على عقب، ثم نعالج “البنشرة” بضحكة مُحيرة، ونعود لنركل بأقدامنا الحياة وكأن لا شيء حدث، نمضي قدما إليها، لأننا أبنائها ما استطعنا لذلك سبيلا.
قبل أن يسبقنا أي شيء حتى العصافير، ننهض باكرا، لنملأ صدورنا بالهواء المتبقي، نستنشق رائحة الجنائن المنزلية، تلك التي ابتكرنها، سيدات قرويات، حملن بذار الحبق بأرحامهن كما الأولاد، الأولاد الذين كبروا كل شبر بألف “ندر”، وعندما كبروا، صاروا صورا تبتسم على مفارق الطرق وفوق عتبات البيوت، نمضي إلى يومنا بكل شموخ وعزة، إباء وعنفوان، اعتزاز وفخر، ثم وكجُلمودِ صخرٍ حطّه السيلُ من علِ، نباشر أفعال الحياة، نبتسم، نرتبك، نضحك، نبكي، نخاف، نشتم، نخاف أيضا، نفرح، نغني، نجن، نبقى عقلاء، نفعل ما يحلو لنا، فنحن صمدنا في وجه كل شيء تقريبا، حتى دواخلنا، ويحق لنا أن نتفاخر بأن العالم كله تقريبا، اجتمع علينا ليكسرنا لكنه لم يقدر على ذلك حتما، فلقد صنعنا أدبنا ومسرحنا وسينمانا، جمعنا قمحنا وقطننا، زيتنا وجبننا، بصلنا وثومنا، وأكلنا مما زرعنا ولبسنا مما صنعنا، لذا من الطبيعي أن ننتصر.
مبهجون نحن السوريون، حتى في اختلافنا في وجهات النظر، لدينا فرادة في هذا، الأصالة المتأصلة فينا، هي من تجعل الموضوع عنيفا قليلا أحيانا، لكنه يدل على أننا أصحاب مبادئ وفكر مرن يضع نفسه في خدمة الأسمى والأبهى “سوريتنا”، التي كتبنا لها في ساحة الأمويين بأصوات الفرح “أي لافيو” وغنينا لها في كل يوم، في كل لحظة، ما تغنيه امرأة لطفلتها، من ترانيم وتراتيل وأدعية لتهدأ، نزلنا إلى الحياة لأننا أبناء الحياة، ولن يلهينا أي حديث جانبي عن هدفنا العظيم، هدفنا الأغلى، تحرير كل شبر من هذه الأرض التي نعبد ونعشق ونفدي بأعز وكل ما نملك، مهما بدا لكم الجنون الذي سبق صائبا!
تمّام علي بركات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *