ديمقراطية أمريكا الزائفة

 

يتعذّر على المرء أن يفهم معنى الديمقراطية حين يتجسّد ذلك عبر مسرحية يخرج فيها الممثلون عن أدوارهم والنص الذي يُفترض بهم التقيّد به، حتى لوكان كاذباً، ليظهر كلٌّ على حقيقته، وتنهار كل النصوص المزيفة أمام الواقع الذي يُسقط أقنعتهم ويُثبت أوهام الديمقراطية على مسرح من مسارحها الأمريكية..

لم تكن المواجهة بين ترامب وبيلوسي أمس صادمة، بل كانت مشهداً من مشاهد كثيرة لديمقراطيتهم التي تشدق بها الأمريكيون لعقود طويلة، الفرق هنا أننا أمام ” تاجر” أطاح بكل المعايير والبروتوكولات السياسية، وأخضع كل القضايا والمصائر لمزاداته العلنية، في ظل تفكك واضح في بنية المؤسسات الديمقراطية الأمريكية وتراجع دورها، وعدم قدرتها على تقييده أو كبح جماحه ليتجاوزها ويتجاوز صلاحياته، ويحدث شرخاً واضحاً بينه وبين هذه المؤسسات، في ظل جو يسوده الصراع الحاد، وتتطاير فيه اتهامات التخوين والعداوات، وتُنتهك القوانين دون قيد أو رادع، ويظهر وجه السياسة الأمريكية كما هو بالفعل.

في كتابهما الجديد “كيف تموت الديمقراطيات” والذي لاقى رواجاً كبيراً ووُضِع على قائمة أكثر الكتب مبيعاً في نيويورك تايمز، قدم الباحثان في جامعة هارفارد “ستيفن ليفتسكي” و”دانيال زبلات”، تحليلاً تاريخيّاً وسياسيّاً في محاولة فهم كيفية وصول الديمقراطية الأمريكية إلى هذا المستوى المتدنِّي..

يؤكد مضمون الكتاب أن الديمقراطية الأمريكية ليست استثناءً كما يعتقد كثيرون، ولم تعد نموذجاً تحتذي به دول العالم الأخرى؛ فالبلد الذي يهاجم رئيسُه وسائل الإعلام ويهدِّد منتقديه بالسجن ويشكِّك في شرعية الانتخابات، لا يمكن أن يقود ديمقراطية العالم، وتوقع الباحثان أن يستمر ترامب ومعه مؤيدوه الجمهوريون بتعزيز سياسات التطرُّف والتفوق العرقي الأبيض، ومحاولة السيطرة على المحاكم العليا، وتصعيد الحملات الإقصائية ضد المهاجرين، وسيؤدي هذا الاحتمال إلى مقاومة عنيفة من رجال الأمن وقمعهم بحجة ضبط الأمن، إضافة لاستمرار التنافر السياسي في عهد ما بعد ترامب، واستمرار انحدار قيم الديمقراطية.

وتأتي مؤامرة “صفقة القرن”، اليوم، لتجسد أقصى درجات الانحدار في الديمقراطية الأمريكية، فكيف يمكن الحديث عن الديمقراطية حين يُجرّد شعب من أرضه، ومن حقوقه، ومن هويته، لتصل بهم أوهامهم إلى تحويل فلسطين إلى دولة لا جيش لها ولا سيادة ولا علاقات دولية ولا حق بإبرام أي اتفاق مع أي دولة، دولة معزولة مقطعة الأوصال دون حدود ولا عاصمة، معتقدين أن الصفقات وفرضها بالقوة هي الوسيلة للدوس على حقوق الشعب الفلسطيني وقضيته، لكنهم يدركون جيداً أنها سياسة فاشلة لن تحقق مخططاتها بشرعنة الاحتلال والاستيطان واغتصاب وطن.

أمام هذه الممارسات الاستبدادية والعنصرية، لم تعد الولايات المتحدة، تمتلك الحق بالترويج لقيم الديمقراطية والحرية والعدالة الأمريكية، فسياسة القطب الواحد التي تحاول إعادة بعثرة العالم وصياغته وفق أطماعها، مستخدمة الرعب والتخويف تارة، والحصار الاقتصادي تارة، لتفرض ديمقراطيتها المزعومة على الدول، بذريعة تخليصها من الظلم واستبداد أنظمتها الحاكمة، باتت مكشوفة للشعوب، التي على الرغم من معاناتها والحروب المختلفة المفروضة عليها، إلا أنها قادرة على خلق حريتها الحقيقية بعيداً عن كل المسرحيات والمزادات.

هديل فيزو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *