فن التمثيل: الأداء هو الجوهر

يتناسى العديد من المخرجين المحليين، أن عملهم الفعلي يقوم أساسا باشتغالهم على الممثل واستخراج أفضل ما لديه من أداء! فالصورة متروكة للمصور، والصوت لمهندس الصوت، والإضاءة أيضا لإدارة الإضاءة، والسيناريو للكاتب، فماذا تبقى له بعد إعطاء الأمر بالمباشرة “اكشن”؟

نقديا وعمليا، الممثل هو أهم أداة من أدوات المخرج الذي ينقل بواسطتها افكار النص وقيمه الى المتفرج، لذا على الممثل أن يشتغل هو على أدواته ودراسته العملية والنظرية حتى يجيب على سؤال: كيف تصبح ممثلا؟، ولأن الممثلون لا يمكنهم فصل وسائل التعبير لديهم عن أنفسهم، لأنهم يبدعون باستخدام أجسادهم وأصواتهم وميزاتهم النفسية والعقلية؛ أي أن إبداعهم لا ينفصل عن شخصياتهم، ولهذا يصعب فصل موهبة الممثل وإبداعه عن شخصيته، غير أن التمثيل فن، وكما كل فن، لا بد لنجاحه من توفر عناصر ضرورية ولا يستغنى عنها عند الممثل، مثل المقدرة والدراسة والممارسة.

إلا أن صفة ممثل لها معايير تشكلها وتعطيها شرعيتها أو مصداقيتها، فالجميع يُمثل بشكل أو بأخر في الحياة، لكن التمثيل كمهنة، يفرض على الشخص الساعي ليكونه العديد من الشروط التي يجب أن تتوافر بشخصه، شكليا وعقليا.

الجسد والصوت

لا بد للممثل أن يتمتع بجسد مرن ومطواع ومعبر، يمكنه من تقديم المراد منه بكل براعة وخصوصية، ويمكن للممثل أن يكتسب الخبرات اللازمة، من خلال دراسة مقررات الحركة على المسرح والرقص والمبارزة بالسيف، وأيضا تلعب التمارين الرياضية دورا هاما في جعل الجسد لينا، مطواعا، وهذه التمارين الرياضية تتطلب الكثير من التنسيق والقدرة. أيضا الرقص والمبارزة بالسيف، قادران على تزويد الجسم بالرشاقة وبالقدرة العالية للتحكم بالحركة، هذا عدا عن كون الممثل الذي يجيد كل من الرقص والمبارزة، سيكون بمقدوره الحصول على فرص عمل أكثر من غيره، خصوصا في الأعمال التي تتطلب هذه المهارات، الواجب توفرها لتنسيق الحركة تلقائيا.

متطلبات المرونة والتحكم والتعبير ذاتها، يجب أن تنطبق على الصوت أيضا. فمن الضروري أن يتدرب الممثل على طريقة التنفس بطريقة صحيحة وعلى التنويع في إيقاع الصوت والنبرة. إضافة إلى تعلمه بل وإتقانه التحدث بلهجات مختلفة، فالتدرب على الإلقاء والغناء والتنقل بسهولة بين الطبقات الصوتية المختلفة، يجعل من الصوت شريكا رئيسا في تقديم الشخصية المراد تقديمها بكثير من الحرفية، فمعظم الممثلين يتدربون لسنين عديدة، من أجل اكتساب القدرة لتطويع أصواتهم حسب الصيغة المطلوبة، سواء كانت بصوت مرتفع أو منخفض أو بشكل حاد أو ناعم. وهذا ما يحتم عيهم أن يثابروا على تمرين قدراتهم الصوتية ومرونة أجسادهم طوال فترة ممارستهم لهذه المهنة.
الخيال ودقة الملاحظة

الممثل البارع، هو من يستطيع الإلمام بمختلف العواطف والمواقف والدوافع الإنسانية حتى تصبح تأديته لأدوار وشخصيات مختلفة، ممكنة، على أنها يجب أن تكون أفضل من “الممكنة” ليكونوا قادرين على التعبير عن هذه العناصر حتى يتم للمشاهدين فهمهم، ودعونا لا ننسى أن الممثل الجيد، يُنمي حواسه في ملاحظة الآخرين، وتذكر طريقة تصرفهم في هذا الموقف أو غيره. فلو قبل ممثل شاب تقديم دور عجوز، على سبيل المثال، فيجب عليه التحضير للدور بملاحظة أفعال العجائز، إن كان في المشي أو الأكل، في الجلوس والوقوف وفي الحديث أيضا، دون أن ننسى التبدلات النفسية، وهنا من الضروري على الممثل المتقن لعمله، أن يُطور ذاكرة عاطفية تمكنه من استرجاع الموقف الذي أوجد عنده رد فعل عاطفي مماثل لذلك الذي يود تصويره. إلا أن هذه طريقة تمثيل معقدة ولا يُنصح باستخدامها إلا بعد أن يطور الممثل فهمًا شاملاً وعميقًا لها. ويتعلم الممثلون فهم الآخرين بفهم ذواتهم وقدراتهم العاطفية قدر المستطاع. إنهم يصورون الآخرين باستعمال معلوماتهم عن أنفسهم وتطوير نوع من التحكم بالاستجابة بعواطفهم.

القدرة العالية على التركيز

واحدة من الملكات التي يجب أن يكون الممثل قادرا على ضبطها في نفسه، فعلى الممثل أن يكون باستطاعته وضع نفسه في مواقف خيالية، حاجبا عنه خلالها جميع المؤثرات الخارجية، مقنعا ذاته بأنه لا يمثل بل يقوم بدور حقيقي. وهنا يأتي دور التركيز لديه، ومدى قدرته على استحضار كل ما هو ضروري لعوالم الشخصية، وترحيل كل ما يعيق وجودها الحقيقي من حولها.

طبعا تختلف وجهات النظر إلى هذه المهنة، كما تتعدد مدارسها، ويمكن توصيف الفروقات بين مناهج التمثيل بطريقتين، كل منهما لها شروطها وموادها وتقنيتها.
الطريقة الأولى يطلق عليها “المنهج الآلي الخارجي” –البريشتية نسبة إلى “بريشت” والثانية “المنهج النفساني الداخلي” –الستانسلافسكية–نسبة إلى “ستانسلافسكي”، والاختلاف بينهما يدور حول انفعال الممثل أثناء الأداء؛ فمن يعتبرون أن المنهج الآلي الخارجي هو الأفضل، حجتهم في ذلك أن الانفعال يعيق عملية التمثيل، فلا ينبغي على الممثل سوى تصوير عواطفه بإشارات خارجية.

أما أصحاب المنهج النفساني الداخلي، فيرون أن الممثل لا يمكنه أن يمثل حقيقة، إلا من خلال الأحاسيس والانفعالات الداخلية التي يجب أن تُوظف في تصوير الشخصية والموقف.

ملكة التعامل مع الشخصية

أول ما يقوم به الممثل عند تحضيره لتقديم شخصية ما، هو تحليل الخصائص المختلفة للشخصية، مثل: المظهر، الوظيفة، المكانة الاجتماعية والاقتصادية، والسمات العامة؛ يأتي بعد ذلك فهم هدف الشخصية وتصرفاتها في العمل الدرامي بشكل عام، وفي كل مشهد واحد على انفراد، فعندما يصور العمل الدرامي زمنا معينا، فسيتحتم يتحتم عليه دراسة ذلك العصر من أكثر من ناحية، وفهم ثقافته الحياتية عموما.

اتقان معاني الحركة والإشارة

إتقان كل من معاني الحركة والإشارة وتوظيفهما في تناسق الشخصية وأفعالها، فهما الطريقتان اللتان يصور فيهما الممثل الشخصية، وأسلوبها في كل ما تقوم به على الورق، بشكلها العام وإشاراتها ومميزاتها الجسمانية الخاصة؛ صحيح أن المخرج يعرض إطار حركة الشخصية العام، غير أن الممثل هو المسؤول عن إخراج هذا النموذج التجريدي إلى حيز الوجود، وذلك بقدرته على فهم هدف كل دافع عاطفي وراء كل حركة تقوم بها الشخصية.
بالتأكيد يمكن الحديث عن العديد من المهارات التي يجب أن تكون موجودة بالممثل ليبدع، خصوصا في ظل غياب شبه عام لاشتغال المخرج عليه، إلا أننا اكتفينا بالأهم، بالعمود الفقري لطبيعة الممثل وقدراته، وبالتأكيد التفاوت في الإمكانيات التي ذكرناها سابقا، هي ما يجعل ممثلا ما من المع النجوم في هذا المجال، بينما زميل أخر في المهنة لا أحد يسمع به، أو هذا ما يقوله المنطق!

تمّام علي بركات

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *