الطلاق.. أسبابه ومخاطره وطرق الحدّ من تفشيه

هي سنة الحياة.. يغرم شاب بفتاة ويتفقا على الزواج ليؤسسا أسرة سليمة، والتي تعتبر حجر الأساس في بناء المجتمع.

بعض الأسر تصمد وتقف في وجه ما يعصف بها من مشكلات ومنغّصات وتتخطاها وتتغلب عليها بصلابة، ولكن أحياناً تكون العاصفة قوية هوجاء يستحيل الصمود في وجهها، حينها تستحيل الحياة الزوجية في استمراريتها.. فيكون أبغض الحلال “الطلاق” لامناص منه،  والذي يشبهه البعض بأنه كالفأس التي تنهال على جدار المجتمع فتهدمه.

بعض أسباب الطلاق

يمكن تحري بعضها وربما حصرها، ومنها انعدام الوعي والمعرفة للحقوق والواجبات عند الشباب، كذلك الزواج المبكّر قد يكون سلبياً على المؤسسة الزوجية، والسبب الأهم هو الخيانة الزوجية من قبل أيّ من الطرفين، وغالباً ما يكون سببه الانفتاح التكنولوجي بطريقة سيئة وغير مسؤولة، إضافة لإفشاء المشكلات الزوجية وعدم احتوائها، وإدخال أطراف خارجية فيها، خاصة إذا كان هذا التدخل منحازاً لأحد الطرفين على حساب الآخر مما يزيد المشكلة تعقيداً كمن يصبّ الزيت على النار، عدا عن التّقصير في أحد واجبات المنزل، أو سهولة نطق كلمة الطّلاق عند الأزواج لأتفه الأمور، وعدم القدرة على التّخلص من مرحلة ما قبل الزّواج، وخاصّة عند الزّوج، كذلك المعاملة السيئة، سواء إساءة لفظية أو فعلية، والفتور العاطفي وفقدان المشاعر بين الزوجين،

حيث يرتبط الزوجان ارتباطاً لا روح فيه، أو تغليب أحد الزوجين مصلحته الفردية،وعدم التشاور والتعاون وتقدير مصلحة الطرف الآخر، أوضعف الإحساس بالمسؤولية، وقد يكون العقم وموانع الإنجاب سبباً من نوع آخر، كذلك تدهور الوضع الاقتصادي وعدم المشاركة في مصروف البيت وترك هذا الحمل على أحد الطرفين، وفي كثير من الحالات قد تقع المسؤولية الاقتصادية على عاتق الزوجة حينما تكون موظفة مما يؤدي إلى استهلاكها، ناهيك عن مخلفات الأزمة كأزمة السكن والهجرة خارج البلد.

من واقع الحياة

“س.م.ن” موظفة متزوجة ولديها ثلاثة أطفال تروي قصة طلاقها التي تصفها بالكارثة بعد قصة حب طويلة، تزوجت رغم اعتراض أهلها، وأنجبت وعاشت مع زوجها على السراء والضراء لتتفاجأ بعد مضي 12 عاما من الزواج أنه متزوج بأخرى ولديه ولد فطلبت الطلاق، فلم يلبِ طلبها إلا بالتخلي عن كل حقوقها وفعلاً تنازلت عن كل حقوقها في سبيل الحصول على حريتها، وعاشت بعدها في بيت صغير هي وأولادها تقول كانت تجربة قاسية ولكن تتطلب الحياة مني القوة، فاليوم أنا الأب والأم لأطفالي ولا اريدهم أن يتأثروا بانفصالنا أنا ووالدهم ولازلت في عملي وأربي أطفالي من تعبي وعرق جبيني.

بينما “م.ح” بعمر الـ 42 يقول تزوجت زواج تقليدي عن طريق الاهل ورزقت بطفلين صبي وفتاة عشنا كأي زوجين لديهم حقوق وواجبات وجمعتنا الألفة نوعاً ما ولم تكن بيننا أي خلافات ولا منغصات، وفي يوم عدت للمنزل وجدت زوجتي تعد حقائبها تقول لي مسافرة لعند أهلي سأترك لك الطفلين وأريد ورقة طلاقي أن تصلني لبيت أهلي، قلت لها ما السبب قالت لا أحبك ولا أريدك في حياتي وكفى، طبعا كانت صدمة قاسية ولكن طالما اعترفت بعدم حبها لي وعدم تقبلها لوجودي في حياتها فأنا احترم رغبتها كان لها ما أرادت أرسلت لها ورقة الانفصال واليوم أمي وأبي يربيان أطفالي.

آثار الطلاق

لعل أوّل من يتأثر هم الأبناء، على مبدأ “الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون” فيضيع الأبناء بين الأم والأب، بالإضافة إلى المشكلات النّفسيّة التّي تتشكل عندهم، ولا يمكن التّخلص منها مهما بلغ الأطفال من العمر، وحالات الحزن والعزلة والعدوانية، وتدني المستوى الدراسي، واضطرابات النوم والاكتئاب، ناهيك عن نظرة المجتمع للمرأة المطلقة،

كذلك مشاعر الحقد والكره التي تخلق بين الزّوجين، وتفكك المجتمع بالإضافة إلى الأثر النّفسي الذي يقع على الزّوج، وخاصّة عند تحمّل مسؤولية الأطفال وحضانتهم، وبالتالي يخلق جيل يتسم بهوية اجتماعية مضطربة لا يتمتع بالأهلية اللازمة لبناء مستقبل أفضل لمجتمعه وبناء وطن قادر على مواجهة التحديات.

استجدّ في الآونة الأخيرة

شهد الطلاق تغيراً كبيراً مُنذ صدور قانون الأحوال الشخصية الجديد الذي أقرّه مجلس الشعب في بداية عام 2019، ونظّم العديد من الأمور المتعلقة بالزواج والطلاق، ومنح المرأة إمكانية وضع العصمة في يدها وتنظيم إجراءات الوصاية والمهر والطلاق، ومنحه فترة شهر للصلح بين الزوجين يتم من خلاله تعيين حكمين للاستماع للزوجين كمحاولة للإصلاح، إلا أنها عادة ما تفشل لإصرارهما على الطلاق.

كان الزوجان سابقاً يحولان إلى مراكز خاصة للإصلاح الأسري، أما اليوم تم إنشاء غرفة تحكيم خاصة لتصبح المصالحة ضمن المحكمة الشرعية، وتحوي الغرفة شاشة عرض لأفلام وثائقية توعوية هادفة عن الإصلاح الأسري، وآثار الطلاق على الطفل والمجتمع.

بينت الاحصائيات أن نسبة الطلاق في سورية خلال سنوات الحرب ارتفعت بنسبة 6 % مقارنة مع فترة ما قبل الحرب، حيث بلغت حالات الطلاق في العامين السابقين في دمشق 7703 حالة، وبلغت مئة بالمئة في عام 2013، وانخفضت في عام 2014، إلى أربعين حالة يومياً، أي ما يقارب تسعة آلاف حالة خلال العام 2014، بلغت حالات الطلاق في دمشق وحدها 31% عام 2017، بزيادة 4% عن عام 2016 منها ما يقارب الألفي حالة طلاق بسبب العقم، علماً أن حالات الطّلاق تنوعت فمنها الغيابي ومنها الموجود، فكثير من حالات الطّلاق لم يتم تسجيلها في المحاكم، بسبب سوء الأوضاع، وصعوبة الوصول إلى المحاكم لتثبيت الطّلاق، ومنها بسبب الفروق التعليمية والثّقافية بين الزوجين أو مرض خطير، أو بسبب عيب جنسي، أو دعوى تفريق لعلة الغياب، إذ رفعت العديد من النساء “دعاوى تفريق” بسبب طول مُدة غياب الزوج مجهول المصير، فلا تعرف الزوجة إن كان ميتاً أو حياً.

للحدّ من تفشيه

للتقليل من حالات الطّلاق لا بدّ من تربية الأبناء منذ الصّغر على تحمل المسؤولية، وتهيئة بعض مراكز الإصلاح التّي تقوم بالإصلاح بين الزّوجين، وإعطائهم النّصائح المفيدة التّي تحلّ المشكلات فيما بينهم، ومن المفضل حلّها بشكلٍ بسيط، وعدم ترك المشاكل الصّغيرة إلى أن تتراكم مع مرور الوقت، وألا تقلّ فترةُ الخطوبة عن السّنة للمقبلين على الزواج، وحسن اختيار الشريك ثقافياً ومادياً واجتماعياً، وأن يعلموا أن الحياة الزوجية حقوق وواجبات، وأن يتحملوا مسؤوليتهم على أكمل وجه، ويجب تأخير الإنجاب بعد مرور السّنوات الأولى من الزّواج، والتّي يقع فيها الطّلاق بنسبة كبيرة ولأتفه الأسباب، إقامة حملات توعية للتعريف بأهمية التماسك الأسري بالنسبة للأسرة نفسها وللمجتمع بشكل عام كخطوة مبدئية للحفاظ على ما تبقى من توازن اجتماعي ونفسي في ظل الظروف الضاغطة والتأسيس لمنظومة اجتماعية تتسم بالاستقرار وبالقدرة على مواجهة الضغوط في مراحل لاحقة.

إعداد: ليندا تلي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *