الوصول الأسهل إلى الحقيقة

اعتماد الرمزية أحيانا والواقعية الغير المباشرة تساعدنا بالوصول إلى مبتغانا، وهي تختلف عن أسلوب التلقين المتبع عادة، فإن دعمت الفكرة بمشاهد عن تجارب ذاتية تفسر المعنى، تتحول الصور الخيالية إلى حضور عاطفي قوي جداً لتشكل أسلوب ساحر وشاعري مؤثر.

هذه الطريقة غير بها الفنان الإيطالي كارافاجيو مسيرة الفنانين قبله، والذين كانوا يرسمون اللوحات الدينية بصورة مثالية جداً، تلك المليئة بالهالات التي تحيط بالقديسين أو ملائكة تطير بالهواء، أما كارافاجيو اختار طريقاً آخر للوصول إلى مراده وتعامل مع هذه القصص الدينية بشكل مختلف تماماً بتركيزه على الواقعية والجسد والانفعال وهذا ماجسده في لوحته “تحول في الطريق إلى دمشق”، وهي تصوّر قصّة دينية وردت فى الكتب القديمة عن قدّيس يُدعى سول عاش فى مدينة القدس بعد صلب المسيح. وأقسم على أن يبيد جميع المسيحيين الجدد. وبعد أن جاءته أوامر من كبار الكهنة بالذهاب إلى دمشق والتعامل بشدّة مع أتباع المسيح فيها.

و في طريقه إلى دمشق فوجئ – بحسب القصّة – بضوء قوى يأتى من السماء ويُسقطه عن ظهر حصانه. ثم سمع صوت المسيح يقول له: لماذا تضطهدني؟!” وأثناء تخبّطه، اكتشف سول أنه لم يعد يرى. ثم جاءه الصوت مرّة ثانية يقول له: الآن انهض واذهب إلى دمشق وسأخبرك ما الذى ستفعله هناك”.

رسم كارافاجيو لحظة السقوط تلك من على ظهر الحصان والفوضى، مع خلفية مظلمة لكى يركّز اهتمام الناظر على سول المتمدّد على الأرض فى ذهول وصدمة. بعد أن رأى المسيح فى تلك اللحظة التى أعماه فيها النور القادم من السماء، ووسط هذه المعمعة هناك أقدام كثيرة، إلى جانبه الخادم المرتبك والذى لا يظهر منه سوى رأسه وقدماه يحاول الإمساك برسن الحصان لمنعه من دوس سول.

أما الحصان احتلّ معظم مساحة اللوحة، وأثار إحساسا بالتوتّر عمّقه رفعه لأحد حافريه فى الهواء كما لو أنه يريد تحاشى أن يخطو فوق صاحبه. ونظرات الحصان تبدو متعاطفة، بينما نصفه فى الظلمة ونصفه الآخر فى الضوء. والرمزية هنا واضحة، وفيها إيحاء برحلة سول من الظلام إلى النور أو من الكفر إلى الإيمان. وسول هذا هو الذى سيتحوّل فى ما بعد إلى بولس الرسول أحد كتبة الإنجيل.

هذه اللوحة تذهب بنا إلى أبعد من ذلك فربما كارافاجيو نقلنا إلى أسلوب عميق اتبعه الأوروبيون في كثير من المجالات فهم ابتعدوا عن أسلوب التفخيم والمثالية ليعطونا انطباع عن واقعيتهم وقربهم للحقيقة بالتالي يستطيعون إيصال أكبر رسائل ممكنة لأكبر شريحة من العالم وهذا الأسلوب مازال بعيدا عن سياساتنا وأسلوبنا بالتالي قليلون ممن يتلقى رسائلنا بعيد عن الكذب المزين بالحقيقة.

ويذكر أن هذه اللوحة هى إحدى لوحتين أمر برسمهما المونسنيور الإيطالى سيراسي، وزير خزانة البابا كليمنت الثامن، كى تزيّنا كنيسة ماريّا ديل بوبولو فى روما.

البعث ميديا ||ريم حسن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *