أزمة كورونا.. رُب ضارة نافعة

لا يختلف اثنان على أن أزمة كورونا حدث سيغير كافة ملامح الحياة, على مدار السنوات المقبلة، فجميع الدول وكافة المجالات تضررت, بسبب الإيقاف الكلي أو الجزئي لعجلات الإنتاج, وفرض الحظر والإغلاق لجميع مظاهر الحياة أما مؤقتاً أو بشكل دائم.

هذه السلبيات وغيرها الكثير جعلت من هذه “الجائحة” نقطة فارقة في التاريخ الحديث.. ففي المستقبل القريب سيكون كل شيء مرسوم ومخطط كما فرضه وجود فيروس “كورونا”، في ظل الأحاديث الكثيرة والكوارث العديدة التي جاء بها الفيروس, ظهرت العديد من النقاط “الإيجابية”, التي لم نكن قد وصلنا اليها لولا وجوده.

فالجرائم بمختلف مسمياتها (قتل – خطف – سرقة…) انخفضت بشكل كبير كجانب إيجابي لوجود كورونا, حيث أشارت تقارير كثيرة إلى انخفاض معدل الجريمة بشكل ملحوظ, حتى انه بلغ الصفر في العديد من الدول ويعود ذلك لتواجد الأسر في منازلها, والانتشار الكبير لقوى الامن والشرطة لتنظيم فرض حظر التجوال في المدن والأرياف, ولسبب أخر ربما “خيالي” كما ذكرت التقارير أن أفراد العصابات يتبعون قواعد وإجراءات الأمن والسلامة المتعلقة بمكافحة عدوى فيروس كورونا الجديد!.

الطبيعة تستعيد عافيتها

أفادت مجموعة من العلماء رصدوا بيانات عن انبعاث غازات التلوث في الجو، بأنّ انتشار وباء فيروس كورونا قد يؤدّي هذا العام إلى تراجع التلوّث بغاز ثاني أكسيد الكربون عالمياً إلى أدنى مستوياته في 70 عاماً.

وأشار روب جاكسون، رئيس مشروع “غلوبال كربون”، إلى أنّ مجموع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون قد يتراجع بما يفوق الـ 5 في المئة بالمقارنة مع الفترة ذاتها من العام الماضي، ما يشكّل أول تراجع منذ انخفاض مشابه بلغ 1.4 في المئة في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية في 2008, وبحسب “جاكسون” فإن هذا الأمر لم يحدث منذ نهاية الحرب العالمية الثانية, ولا انهيار الاتحاد السوفياتي ولا أزمات النفط أو المدّخرات والقروض التي حدثت خلال الخمسين عاماً السابقة تمكّنت من التأثير في هذه الانبعاثات بالطريقة التي فعلتها هذه الأزمة المستجدّة.

ويتجاوز تلوث الهواء مرض الملاريا كسبب عالمي للوفاة المبكرة بـ 19 ضعفاً، والعنف بـ 16 ضعفاً، وفيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز) بـ 9 أضعاف، والكحول بـ 45 ضعفا، وتعاطي المخدرات بـ 60 ضعفا, وهذا ما يجعل انخفاضه سبب وجيهاً للنظر بإيجابية أكثر لكورونا.

التقارب العائلي

هذا الفيروس الذي رافق ظهوره شعار “ألزموا منازلكم” جاء لردم الشرخ الأسري الموجود بين العائلات, التي لطالما كان انشغال أفرادها بالعمل أو اللعب أو السهرات في الخارج, عاملاً اساسياً في توسيع الهوة, فحملت “كورونا” في طياتها ترسيخ “روح الجماعة” فأصبح الجميع يتشارك في إعداد المأكولات والمشروبات، والأعمال المنزلية.

كما أعطى الجميع فرصة “للفضفضة” وتبادل الخبرات, وإظهار جميع الخفايا التي لم تكن موجودة من قبل كورونا, فأصبح كل فرد يرى أهمية للفرد الأخر, ويرى أن وقايته واهتمامه الشخصي قد ينعكس على الأخرين, مُنعشاً روح “الإيثار” التي ربما كنا فقدناها أو سنفقدها لولا مجيء فيروس كورونا.

تغيير الأولويات

منذ بداية الانتشار الكبير لفيروس كورونا, سارعت معظم الدول لإغلاق المدارس والجامعات, بسبب منع تفاقم الوضع وخروجه عن السيطرة, ولجأت هذه الدول إلى استخدام التعليم عبر الانترنت كوسيلة لتعويض الفاقد العلمي للطلبة, ولكن هذا الخيار لم ينجح وخصوصاً في الدول التي تعاني من ويلات الحروب والحصار, وهذا الشيء يجب أن يكون ضمن الرؤى المستقبلية لإنجاح العملية التعليمية في حال مشابهة لكورونا, وتدعيمها والتخطيط لها لكي تقدم البديل المثالي, وهذا الدعم يكون من خلال تبادل الخبرات مع الدول الرائدة في هذا المجال وتقديم خدمات شبكية, وإخضاع القائمين على هكذا مشروع لدورات تدريبية مكثفة في حال, اضطرت هذه الدول لتقديم تعليمها عبر العالم الافتراضي, ففيروس كورونا جاء ليُذكر بأهمية هكذا مشروع في المستقبل القريب.

القطاع الصحي

لا شك أن ما رأيناه حول العالم من معاناة بسبب الفيروس, والقدرات الخارقة التي قام بها الكادر الصحي في جميع الدول, أعاد لأذهاننا إعطاء النصيب الأكبر للطب والعلم بعيداً عن المغالاة التي نراها في السينما وفي عالم كرة القدم والرياضة, وأن هذه المبالغ الضخمة لو وضعت في مكانها الصحيح, لربما الوضع سوف يختلف كثيراً, فالذي ضحى بنفسه قبل كل شيء, هو الأجدر بلقب البطل, فإن الضامن الوحيد للبقاء هو مد الطب واختباراته بالغالي والنفيس, لكي ننشئ قطاع متكامل قادر على مجابهة الصعاب.

الدفع الإلكتروني

الأوراق النقدية تعد من اهم عوامل انتشار الفيروس لسرعة تداولها بين الأشخاص, وسرعان ما بدأ الحديث من عدة أخصائيين عن تفعيل الدفع الإلكتروني, بميزاته العديدة, وهذا الأمر يتطلب مجهود كبير, وتسهيلات, وبنية تحتية قوية, ولا تستطيع الدول التي تعاني من أزمات تفعيله بالشكل المطلوب, ولكنه يبقى حل بديل لمشاكل مشابهة, ويجب أن يبقى في عين الاعتبار, ويخصص له الحيز المطلوب والدعم الكافي, في حال واجهنا “كورونا آخر”.

وأخيراً يطول الحديث عن العبر المستفادة من أزمة كورونا.. كالنظافة الشخصية.. وتفعيل الأدوار الخدمية.. وإيجاد بديل للأشخاص التي تسبب كورونا بإيقاف مصدر رزقهم.. وكما يرى الكثير من المؤرخين أن أغلب الاكتشافات التي غيرت التاريخ البشري كانت بسبب حدث عظيم أو حرب كبرى أو وباء… وجميع المعطيات إن نظرنا لها بالإيجاب فإنها تُمثل المقولة المشهورة: “رب ضارة… نافعة”.

البعث ميديا || مجد عمران

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *