هل سيغيّر كورونا شكل العلاقات بين الدول؟

وباء أصاب أصقاع الأرض بلا هوادة حاصدا آلاف الأرواح متغلغلا بأجساد المئات من كل الأعمار بلا رحمة، متخطيا الحدود بلا جواز سفر، ليغدو هاجس الناس الذي ينغص حياتهم، رغم حجمه اللامتناهي في الصغر إلا أنه أثبت ضراوة غريبة وقوية، ورغم الجهود المبذولة والتي تبذل لم يعلن عن عقار حتى اليوم يبلسم خوف الناس ويكافح الوباء.

مع تفشي فيروس كورونا حري بدول العالم أن تضع خلافاتها ومصالحها جانبا لتتكاتف وتتضافر جهودها، لتقف سدا منيعا في وجه هذا السيل الجارف، وهذا ما دعت إليه منظمة الصحة العالمية بضرورة التعاون بين دول العالم لتجنب عواقب الجائحة التي لا يستهان بها، إذ لا يمكن لأي دولة مقارعته بمفردها مهما بلغت قوتها.

وما إن نهضت الصين بعد الإجراءات الصارمة والحازمة التي اتخذتها حتى أعلنت عن استعدادها لمد يد العون لكل دولة تطلب المساعدة، فكانت بذلك مثالا يحتذى خاصة أن خبرتها في مقاومة الوباء أوسع من الدول الأخرى، وإذ كان هناك من دول بخلت بمد يد العون للدول المنكوبة فذلك بسبب خوفها من السطوة الأمريكية.

ويجب التركيز على الدول التي طالتها عقوبات واشنطن غير الشرعية وفقا للقوانين الدولية كسورية وفنزويلا وإيران وغيرها، إذ حتى اليوم لم ترفع العقوبات أو تلغيها بل زادت من حدة إجراءاتها ضد إيران التي عانت من انتشار الفيروس أكثر من غيرها.

علميا تسابق العلماء والباحثون من شتى أصقاع الأرض للبحث عن لقاحات وأمصال لمواجهة الفيروس، إذ يسعى المتسابقون في حلبة تطوير العقار لتحقيق مكاسب معنوية كالعزة والفخار وإثبات التقدم العلمي وفرض احترام الآخرين لهم، ومن جانب آخر مكاسب مادية لأن العلاج حاجة ملحّة لجميع الدول وهذا بدوره سيدر الأرباح المالية الجمّة، بينما ترامب كـــ”خفاش الليل” يخطط لسرقة إنجازات الآخرين كما فعل مع مدير شركة أدوية ألمانية حين عرض عليه حفنة من الدولارات مقابل تطوير عقار باسم أمريكا.

 نتائج التعاون

تعدّ المحنة اختبارا قويا يكشف الحقائق والنوايا، كذلك الأمر سيّان على الدول التي هبّت لنجدة شقيقاتها الموبوءة سواء بالمساعدات والخبرات والمعلومات، وهذا بدوره يرقى بالعلاقات للنمو والازدهار بين الدول كـ”الصين وايطاليا” و”روسيا وإيران” و”روسيا وفنزويلا” مما يكرّس نجاح “دبلوماسية الأزمات” أو “دبلوماسية كورونا”.

وفي الوقت الذي رفضت أمريكا تقديم المساعدات والخبرات والأموال انبرى ترامب وعبر تغريدة له بوصف الفيروس بـ”الفيروس الصيني” ردا على اتهام الصين للجيش الامريكي بنشر الفيروس في “ووهان”، رغم أن مجلة فورين بوليسي الامريكية هي من فتحت باب الشك حول الضلوع الأمريكي في نشر الفيروس.

ولأن المحنة مشتركة فمن المتوقع بعد دحر الوباء أن تتطور العلاقات الدولية ويسودها التعاون المتبادل وخاصة في المجالات الصحية والطبية التي استفاقت عليها العديد من الدول حين فتك فيها الفيروس، ووأد المصالح التي من شأنها خلق التوترات والنزاعات.

وبرأي العديد من الكتاب والباحثين بأن العالم ما بعد كورونا سيشهد تغيرا كبيرا حيث سيتشكل نظام دولي انساني، فغالبا ما ستحتل الصين ومجموعة شرق آسيا مكانة مرموقة في النظام الدولي على حساب أمريكا والاتحاد الأوروبي، وستتغير قائمة أولويات الدول فبعد أن كان جلّ اهتمامها التسابق في استحواذ القوة العسكرية والاقتصادية، لتولي اهتماما أكبر على نظامها الصحي والمعرفة وتقويته بعد أن أثبت خلال تفشي الفيروس هشاشة قوية، وربما ستكون التغييرات على صعيد الاقتصاد نتيجة تغير أسعار النفط والخام، ولكن وبما أن الطبيعة الإنسانية تغلب عليها المصالح فما إن تصل إلى برّ الأمان حتى تتناسى ما عصفت بها الرياح لتعود إلى سابق عهدها، وكذا الأمر بالنسبة للدول ما إن تجتاز محنتها لتعود إلى سابق عهدها لتتصدر مصالحها قائمة أولوياتها لتعود دورة الصراعات والتحديات في السيطرة الكونية على العالم من جديد.

البعث ميديا || ليندا تلي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *