“دم النخل” ضمن مبادرة ” خليك بالبيت”

ضمن مبادرة ” خليك بالبيت” التي أطلقتها المؤسسة العامة للسينما للتصدي لجائحة كورونا بعرض مجموعة من الأفلام السورية على منصة موقع “فيمو”جسد بعضها زوايا مختلفة من الحرب الإرهابية التي واجهتها سورية، ومنها فيلم” دم النخل” بتوقيع المخرج نجدت أنزور.

لم يكن فيلم” دم النخل” سرداً توثيقياً لمراحل حياة خالد الأسعد كما توقع كثيرون، إذ جسد ما حدث بتدمر مدينة النخل والآثار التي تألقت بعرش زنوبيا، فمضى بسياق درامي مختلف امتزج فيه الجانب التوثيقي امتزاجاً بروح الرواية السينمائية بتفاصيلها وأبطالها ومشهدياتها التي اعتمدت على التقطيع، التقنية الأولى التي بنى عليها نجدت أنزور فيلمه-سيناريو ديانا كمال الدين- إنتاج مشترك بين مؤسسة أنزور والمؤسسة العامة للسينما، ليس للربط بين الماضي والحاضر فقط، وإنما للإحاطة بكل الأحداث التي شهدتها تدمر ابتداءً من حماية الجيش العربي السوري، إلى دخول داعش الممنهج والمبني على خيانات خفية، إلى خوف الأهالي، إلى تفرق الجنود الثلاثة الأبطال للدفاع عن الوطن من أمكنة مختلفة وَحدها نخيل تدمر، إلى المشفى ومحاولة إنقاذ الجرحى، إلى الإشارة لنسيج المجتمع السوري المتلاحم الذي واجه بقوة الحرب الإرهابية بدلالة هيمنة اللهجة التدمرية مع حضور البدو الذين كانوا مفصلاً في مواضع، إضافة إلى اللهجة البيضاء المتسربة بين الجنود كونها تجمع الجميع، ليشير أنزور بذكاء إلى هذا النسيج الملون بلجوء مهندس الطيران بأمر من العميد الطيار الحربي إلى الأرمني المهني الذي تمكن من إصلاح الطائرة التي تمكنت من التحليق في سماء تدمر لإنقاذ الجندي حسام.

كشف ستار الأصنام ولم يستند أنزور إلى المشاهد التوثيقية القليلة بدخول داعش بسياراتهم وعماماتهم التي نقش شعارهم عليها وهم أبعد ما يكونون عنه” لا إله إلا الله” لإظهار ما فعلوه بالأهالي والإعدام الجماعي في السوق لكل الموظفين والعاملين بالدولة أو من لم يستطع اللحاق بالكتيبة، وإنما ليظهر هدفهم الحقيقي في الحصول على التماثيل الصغيرة والذهب والاختباء وراء ستار كسر الأصنام، بدا هذا واضحاً في مشهد إلقاء القبض على خالد الأسعد والتحقيق معه من قبل قائد داعش ومساومته بمبايعة الخليفة البغدادي مقابل تسليم الذهب والتماثيل، ورد الأسعد المأخوذ من كلامه” من المعروف لكل العالم أن دخلكم بعد النفط يأتي من الآثار” وهذا ما يوضح الهدف الأساسي لدخول داعش تدمر. الخديعة المتكررة مشاهد الفيلم وفنية أنزور غير المباشرة والمعتمدة على الرمزية برؤية مختلفة تماماً عن فيلم ردّ القضاء، شدت الحاضرين منذ البداية من لحظة توزيع مهام الجنود في كتيبة حامية المطار ريثما تأتي امدادات الذخيرة وهجوم داعش وجرح الجنود، وقرارهم بالتوجه إلى المطار بعد انتهاء الهجوم، وبقاء حسام-مصطفى سعد الدين- مع الملازم وجنديين في الحامية لصد الهجوم ليصل الجنود إلى المطار، إلا أن أنزور يفاجئ الحاضرين بكشف اللعبة وبلقطة سينمائية رائعة تجسد ما اكتشفه الملازم فالهجوم كان خدعة لتغلغل داعش ودخولهم الطابق الأرضي، بربط واضح بين مافعله الرومان سابقاً وما فعلته داعش التي دمّرت حضارة عمرها آلاف السنين، يستشهد الجنود ويصاب حسام، ابن الطبيب طلال ينقذ الجرحى.

خيانة من الداخل لتتقاطع المشهدية مع طارق –جوان خضر-البطل الثاني ابن العميد الطيار قائد العمليات العسكرية- عامر علي- الذي يدركه الوقت فيختبئ في منزل قريب له في خزان المياه ريثما يأتي الليل ويلتحق بالكتيبة، وكريم- لجين إسماعيل – الذي يقود آخر سيارة تهرب الآثار من طرق فرعية إلى حمص، إلى خالد الأسعد الذي يأمر أولاده بعدم انتظار الجنود والانطلاق لتهريب سيارات الآثار، بهذه المسارات المتشعبة تنطلق كاميرا أنزور لتصوّر قسوة الواقع وتجسد بمشاهد خاصة مواقف إنسانية تعجز الكاميرا عن تصويرها.

تهريب الآثار في الصحراء يطلق النار على سيارة الآثار ويصاب كريم برصاصة في خاصرته إلا أنه بكل شجاعة يتحدى الموت ويخرج الرصاصة بالسكين ويلف جرحه النازف ويدفن سيارة الآثار في التراب لحماية الآثار من داعش، ويبقى دفتر المذكرات الذي دوّن فيه بصعوبة ما حدث هو الشاهد، في حين يقرر طارق الخروج ويقتل إرهابيو داعش الذين هاجموا المنزل للتفتيش بعد خيانة والد كريم للوطن بتعامله مع داعش من قبل دخولها تدمر والوشاية به وعن مكان اختبائه، وليربط أنزور بين خيانته واليهود بقول زوجته” بدك تسلم الوطن متل ما سلم اليهود المسيح” ويهرب طارق مع عمه-أبو عمر- إلى البدو، ليكتشفا الخيانة الأكبر لوالد كريم ببيع الآثار إلى داعش، وفي مشهد المواجهة يرفض طارق الجندي العربي السوري قتل والد كريم بقوله” ما حملنا سلاح لنقتل بعضنا، ما بقتل أبو رفيقي”.

وطنية البدو لكن الأحداث تكشف أن من يخون مرة يخون دائماً بعد إنقاذ رجال داعش والد كريم يتتبع آثارهم في مضارب البدو ويساوم على قتل الطفلة مقابل تسليم طارق نفسه، ويمرر أنزور بذكاء شهامة البدو والمفارقة بالانتماءات بين الخائن والوطني يستسلم الرجل ولا يسلم طارق، حتى يسلم طارق نفسه فداء الوطن ليخلص الطفلة فكان ضحية الخائن الذي رفض قتله.

داعش والصهيونية وتنتقل الكاميرا إلى خالد الأسعد-محمد فلفلة- الذي يرفض الاعتراف عن أمكنة الآثار السرية رغم التعذيب الشديد، ويفصح الحوار بينه وبين قائد داعش بإيماءات عن الربط بين داعش والصهيونية. ويلجأ أنزور إلى الشخصية الافتراضية الملكة زنوبيا –مجد عتاب- بهيمنتها على المدينة بحضورها بثيابها الملكية على أسوار تدمر، وبزياراتها الخفية للأبطال لتمثل الروح الخفية القوة الخارقة التي تمنح القوة والإصرار على التحدي.

نهايات واقعية وبتقاطعات حادة نرى السيف لحظة إعدام خالد الأسعد وإسدال الغطاء الأبيض بغرفة العناية المشددة بعد أن تمكن الجنود من إنقاذ كريم لكن الشهادة كانت قدره، وانفجار اللغم بحسام الذي بتر يده بيده بعد إصابته برصاصة فتتتها على مرأى وقرب من العميد الطيار الذي تمكن من العثور عليه بالطائرة، وإعدام طارق بالرصاص في السوق. ويأتي المشهد الأخير باجتماع الآباء الثلاثة للأبطال الذين استشهدوا بنهاية واقعية تحاكي تماماً ما حدث على أرض سورية عامة وتدمر خاصة بعيداً عن النهايات التقليدية المتخيلة، في مسرح تدمر على وقع صوت عمر الفرا بقصيدة الوطن، وبدفاتر المذكرات وروح زنوبيا التي تمسك بيد الطفل رسالة أنزور إلى العالم.

توليفة مركبة الأمر اللافت هو بتوليفة الموسيقا التصويرية للمايسترو رعد خلف بين الآلات الشرقية والغربية، والتي عبّرت عن الأحاسيس الشفيفة التي عاشها الأبطال من خلال رتم موسيقي هادئ وحزين لنغمات الوتريات إلى التصاعد الموسيقي في مشاهد الرعب، بصولو الناي المترافق مع اللحن الإيقاعي المتتالي، لتختزل في النهاية نغمات البيانو بمفاتيحه السوداء والبيضاء قصة الحرب بين الأمل والموت.

البعث ميديا ll ملده شويكاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *