“ستالينغراد”.. الكثير يمكن أن يحدث!

 

لا يتذكر التاريخ الحروب إلا بعمومياتها ونتائجها، من فاز ومن خسر وكم الدمار والتخريب الذي حدث، دون الخوض بتفاصيل المعاناة للكثيرين ممن صمدوا وقاتلوا ودافعوا عن أرضهم، وهنا تلعب السينما دورها، لتلتقط قصص أولئك الذين كانوا على جبهات القتال وتروي بطولاتهم وتوثقها، وتجسدها بطريقتها، وتعرض على الجمهور تفاصيل الحكاية ليتعرف على أشخاصها عن قرب..

ورغم مآسيها إلا أن المعارك والحروب تشكل مادة مغرية لصناع السينما تستهويهم بشدة، كما أن الأعمال التي تتناولها تلقى رواجاً كبيراً، ومن يتابع هذا النوع لا بد أن يقع بين يديه الفيلم الروسي “ستالينغراد”، الذي يتحدث عن المعركة التي غيرت مسار الحرب العالمية الثانية، وتصنف على أنها الأكثر دموية وعنفاً..

“ستالينغراد”، إخراج فيودر بولدارتشوك، يروي قصة عدد من الجنود والضباط الروس في مواجهة مع قوات من الجيش الألماني، للحفاظ على إحدى البنايات الاستراتيجية بالمدينة المدمرة، وينطلق من عبور الروس لنهر الفولغا، خريف عام 1942، لمساندة رفاقهم على الجانب الأخر ومنع الألمان من عبوره واحتلال المدينة، في مهمة شبه مستحيلة..

ويصادف الجنود الروس في ذلك البناء، فتاة صغيرة قُتل أهلها على يد الغزاة وبقيت وحدها تصارع للبقاء، حيث عرض الفيلم، عبر خطوط درامية متقاطعة، تطور العلاقات الإنسانية التي نشأت بين خمسة من الجنود، وبينهم وبين كاتيا، التي كانت متشوقة للدفاع، هي الأخرى، عن بلدها، فرأيناها تتعلم على بندقية القناصة وتنجح بإصابة أحد الجنود الألمان..

وحتى في أشرس المعارك، لابد للحظات من الفرح أن تكون حاضرة، فمن يتواجد على جبهات القتال يحتاج للحظةٍ بعيدةٍ عن صخب المعارك وضجيجها، في محاولة لتذكر ما هو مفرح ليكون قادراً على الصمود والتشبث بالحياة، وظهر ذلك في الفيلم من خلال احتفال الجنود بعيد ميلاد صديقتهم الصغيرة، التي أتمت التاسعة عشر من عمرها، باحثين بين الأنقاض عن هدية تسعدها..

الأحداث كانت تروى على لسان شخص يظهر في بداية الفيلم، غير واضح المعالم والتفاصيل، لنكتشف فيما في النهاية أنه ابن كاتيا، التي نجت من الحرب وحدها دون رفاقها، الذين لقوا حتفهم، بعد أن أخرجها أحدهم من المبنى، ليعود إليه ويشارك بالدفاع عنه في وجه الدبابات الألمانية، ليطلبوا بعد ذلك من قيادتهم قصف البناء، مضحين بأنفسهم في سبيل منع القوات المعادية من التقدم..

حدث ذلك في ستالينغراد الروسية، حيث الشخصيات حقيقية، دون رتوش أو تعديل، بكل ما تحمله من تغيرات وتقلبات ومخاطر، عكسها الفيلم بطريقة احترافية، تصاعدت فيه وتيرة الأحداث بأسلوب مشوق، يأسرك في نهايته وكأنك أحد أطرافه..

 

رغد خضور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *