ثقافة وفن

“أسرجتُ خيولَ الحُلم”…غربة روح وتعرية واقع من زيفه

بعنوان “أسرجتُ خيول الحُلم” أقيم في مركز ثقافي العدوي مساء أمس أمسية شعرية وتوقيع ديوان شعري للشاعر رفعت بدران.

“كالعيسِ في البيداءِ يقتُلها الظّمأ والماءُ فوقَ ظهورها محمولُ” بهذه الجملة ابتدأ الشاعر بدران ديوانه الشعري الذي يضمّ تسعا وثلاثين قصيدة مختلفة المواضيع والمضمون دون أن ننسى اختلاف شكلها الفني.

يقول بدران في تصريح للبعث ميديا: بدأت كتابة الشعر مبكرا وامتلكت ناصية الوزن في سن السادسة عشرة، كتبت أول قصيدة عموديه وقصيدة تفعيلة سليمة عروضيا قد تكون نظما أو مجرد هواجس مجرد تقليد للآخرين ولكن امتلكت قواعد الشعر والنحو والصرف، حيث قرأت كثيرا من الشعر العربي والشعر الغربي الإنكليزي بالدرجة الأولى والفرنسي والروسي والشعر الأميركي والهندي والياباني، يضيف بدران: أحاول ألا أتسرع في الكتابة فقد تمضي أحيانا على فكرة قصيدة أو مقطع شعري صغير خمس سنوات دون أن اقتنع بضرورة كتابته، وأقول في نفسي: إذا لم يكن جديرا بالبقاء فليذهب، الشيء الجميل لا يُنسى ويبقى في الذاكرة والقلب، على حسب قوله.

 

وحول جدلية أن يكتب الشاعر كلّ ما يجول بخاطره يجيب بدران: أنا اختلف كثيرا مع أصدقائي الشعراء حول هذه النقطة بالذات فأنا لا أوافق على هذا أبدا، بالنسبة لي أتريث بالكتابة وأتريث  بالنشر أيضا.

وحول رأيه بإصداراته السابقة يقول بدران: مجموعتي الأولى أحبها كثيرا  ولم أجد لها عنوانا فتركتها مرسلة هكذا قصائد، بينما المجموعة الثانية تأخرت فيها كنت أفكر بنشرها في بداية الأحداث التي مرت بها البلاد ولكن لم أحب أن انشر شعرا والدماء تسيل فتريثت قليلا ونشرتها سنة 2018 وكانت بعنوان “ماذا لو ابتعد البعيد” التي ابتدأها بقصيدة “دالية من أجل العراق” التي فازت بجائزة عمر أبو ريشة عام 2014، وقد تميزت هذه المجموعة عن سابقتها بأنني حاولت أن أقدم فيها شيئا جديدا، شيئا مميزا، شيئا انضج من هواجس شاعر شاب مثلا.

وعن ديوانه “أسرجتُ خيول الحُلم” يقول بدران: كتبت قصائد التفعيلة وأنا شاعر تفعيلة بالأساس، وكتبت القصيدة العمودية وقررت أن أجرّب في كتابة قصيدة النثر لأني أجدها على خلاف ما يعتقده البعض فهي أصعب بكثير من قصيدة العمود أو قصيدة التفعيلة، لأن الشاعر عليه أن يخلق موسيقا أو يحاول بعيدا اكتشاف الموسيقا الموجودة في الكلمة وليس في الإيقاع الخارجي للنص، وحاولت أن لا تكون كل قصيدة متجهة إلى جهة واحده بل أسعى أن تكون القصيدة شاملة فانا أرفض التقسيم الكلاسيكي (قصيدة غزل وقصيدة رثاء وقصيدة قومية…).

وعلى هامش الأمسية التقت البعث ميديا الناقد والشاعر بلال أحمد الذي قال: بأن هذا الديوان هو المجموعة الثالثة للشاعر بدران بعد مجموعتين وهي متطورة مقارنة بهما رغم أن المجموعات السابقة جميلة وراقية ولكن هناك تطور لجهة اللغة ولجهة الصور ولجهة المعاني، وهذه المجموعة تعتبر إضافة  للشعر، أي أننا نرى مجموعات شعرية كثيرة تكون تكرارا لما سبق لشعراء آخرين، بينما هذه المجموعة هي  إضافة وإغناء  للمكتبة الشعرية العربية.

 

وحول سؤالنا عن الصفات التي يجب أن يلمّ بها الشخص ليصبح شاعرا؟ يقول أحمد: يجب أن يكون قارئا نهما للشعر  يجب أن يقرأ التراث، الأسطورة، التاريخ، يجب أن يتمتع بثقافة عالية، ويجب أن يقرأ أضعاف أضعاف ما يكتب، المهم القراءة قبل كل شيء، وبحسب رأي أحمد يجب أن يكون الشعر مموسقا أي الموسيقى ضرورة للشعر مع أني أحب قصيدة النثر إذا كانت تعوّض عن الموسيقا بالدهشة والصور الجميلة والعميقة والمجنحة.

من جهته أكد الكاتب والناقد عمر جمعة  “زميل في جريدة البعث” في لقاء مع البعث ميديا: أن ديوان بدران الجديد ينمّ عن ثقافة مترفة بالأصالة والتمسك بل الدفاع عن اللغة العربية بمعانيها العميقة ودلالاتها التي لاتُحدّ والبرهنة أنها مازالت المعين الثرّ الذي لاينضب، إذا توفر لها شاعر مبدع يستطيع رغم الغيبوبة التي تعتريه في لحظات التجلّي أن يقطف من شجرتها الباسقة اليانع من المفردات ويزين بلآلئها كلماته وجمله وتعبيراته النابضة بالحياة.

 

وأضاف جمعة بأن ما ينبئ بكفاءة الشاعر ومقدرته على صياغة فنية جماليه مغايره هو إنشاء وابتكار صور ومتقابلات أضفت الكثير من الإبداع على القصائد برمتها لاسيما في قصيدة “برجان عاجيان”: أنا لستُ انتَ …ولستَ انتَ أنا ولكنّا…خُلِقنا كي نعيدَ الخلقَ أجملَ…

ليس هذا فحسب بل يقول جمعة: بأن جلّ قصائد  بدران حفلت بالصور المركبة التي عجّت بالتشبيهات والاستعارات والمجازات كقوله في قصيده “يا شعرها”… تخيّلتُ شَعركِ إذ يتهادى كقطعةِ ليلٍ على الثلج… والمرجِ… غضّاً رشيقا تخيّلتهُ…وادِعا مثلَ نسمةِ صيفٍ ولُمحةِ طيفٍ فلا يَكسِفُ الشّمسَ ..لا يُقلقُ الرّيحَ.. لا يستثيرُ الرعودَ ولا يستفزّ البُروقا.

 

في نهاية المطاف نجد أن الشاعر بدران حاول تعرية الواقع من زيفه وخداعه عبر توجيه خطابه الفكري للمتلقي في قصيدة “المرثية الأخيرة للخنساء” التي ذرف فيها بدران دموعه على أخيه الإنسان الذي لم يمتْ بمعارك الشرف والكبرياء بل مات بموت القيم لديه، ناهيك عن اتسام قصائده بطابع غربة الروح الذي اعتراني حينما ألقى قصيدته “حوار مع ملاك الموت” مخاطبا ملاك الموت: أَوَ لمْ تطمئنْ قلبهُ الهشّ الضّعيفَ؟ وكنتَ من أوحى إلى ذاكَ الطبيب من الحقيقة والمجازِ، لكي يقولَ له مراراً: إنّ قلبكَ كالحديدِ!! فما الّذي أبلى الحديدَ؟ بُعيدَ ساعاتٍ… ردتني الكلمات إلى أربع سنين خلتْ، نفس الكلمات خاطبتها لملاك الموت حينما سرق أخي بعد إيهامه للطبيب بأنّ قلبه حديد وتجاوز الخطر ولكن ما الّذي أبلى الحديدَ؟! بُعيدَ ساعاتٍ؟؟

 

 

البعث ميديا|| ليندا تلي