الجمال السوري.. فن الطبيعة

 

قال صاحبي: لقد تعبت من حديث السياسة، حدّثني عن الجمال عموماً، بل الجمال في سورية خصوصاً، قلت له: يا أخي الجمال في سورية، ولاسيما جمال المرأة السورية، أن يكون بياضها في ثلاثة: بشرتها، جبينها، عيناها.. وأن يكون سوادها في ثلاثة: شعرها، أهدابها، حاجباها.. وأن تكون حمرتها في ثلاثة: شفتاها، خداها، لسانها.

وكانوا يقولون: إن جميلة العينين هي الحوراء، أي شدّة السواد في شدّة البياض، الدعجاء، النجلاء، أي واسعة العينين، كما كانوا يؤكدون على السمنة كمظهر من مظاهر الرخاء والجمال، وكانوا يصفونها بأن أسوارها صوامت لأن ذراعها شبعى، وخلاخيلها صوامت، فإذا نهضت تعثرت لثقل أردافها، قلت: كان الجمال في سورية هو الحرية الموزونة، بمعنى أن المرأة الجميلة هي كل ما فيها حرّ ورشيق، ولو نظرت إلى (أوغاريت أو ماري) على الجداريات، لوجدتها توشك أن تطير من فرط الخفة والرشاقة، وهذا هو الجمال السوري الذي عاد إليه العالم، هذا الذوق في الجمال السوري مقياس على تقدم الأمم بين الشحم واللحم دليل على ركودها وتأخرها، وكان العقاد يقول: «راقب امرأة سمينة وهي تمشي، إنها تعلو وتهبط، وما تنتقل شبراً واحداً كل خطوتين».

كانت المرأة السورية رشيقة القوام، ممشوقة القدّ، تناولت الفواكه والخضراوات بكثرة، حرصت على تنظيم النسل، وكانت ترضع طفلها ثلاث مرات، وكانت تغسل يديها قبل الأكل وبعده، وكانت طقوس النظافة شديدة، لقد عثر المنقّبون في أوغاريت على رداء من الكتان يشبه (البرنس) حتى تلبسه بعد الحمام، كما وجدت جدارية تمثل إحدى السيدات في مملكة ماري وهي تستحم، وهي جاثية على ركبتيها، وأمامها خادمتان إحداهما تصبّ عليها الماء، والأخرى تقدّم لها زهرة لتشمّ عبيرها، وبعد الحمام كانت تمسك مرآتها البرونزية حتى تصفف شعرها وتستكمل زينتها، كما أن النساء في الحفلات يضعن أقماع الرائحة المصنوعة من الشمع المقوى المغموس في العطور المختلفة، فـ«تسيخ» بحرارة الرأس وتشيع الروائح العطرية، كما كن يضعن على الرأس أكاليل من الزهور أو المعادن المصنعة من الأحجار الكريمة، أما كحل العينين فكان الأخضر أو الأسود، وكانت النساء تجمّل الشفاه بأحمر الشفاه، والخدود بأحمر الخدود والأظافر بطلاء الأظافر، حتى الحجر الإسفنجي استخدموه لتنعيم الكعبين.

وهنا قال صاحبي: أراك تحدّثني عن الجمال الذي نراه، ولكن ماذا عن الجمال الذي قال عنه أفلاطون: «الجمال ليس فقط ما نراه، ولكن ما نحسّه»، بل ذهب أرسطو إلى ما هو أبعد من ذلك حين قال «إذا سألت عن الجمال اسأل عنه العميان»، وهنا قلت لصاحبي: لو أنك قرأت حكم (الحكيم آني) حيث يقول: الجمال هو ما يكشف لك حب الطبيعة، قال صاحبي: ما أقرب هذا المعنى لما قاله (كلود برنارد): «الجمال هو ما يحفر في قلبك فراغاً لا قرار له، ويشعرك بحاجتك إلى الله الذي يستطيع وحده أن يملأ هذا الفراغ».

قلت: ما أجمل ما عبّر به (محمد أبو هلال السوري) عن الجمال في سورية، إنه القائل في قصيدة له عن جمال المرأة والطبيعة:

يا مؤنس الأبرار في خلواتهم

يا من زدت الجمال جمال

من ذاق حبك لا يريد زيادة

أنت الجميل وما سواك محال

وتبقى سورية أبد الدهر جميلة بنسائها ورجالها وأطفالها، وأرضها وسمائها، ومياهها وحدائقها الغنّاء، كل شيء في سورية جميل حتى طيورها المحلّقة في السماء.

 

د.رحيم هادي الشمخي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *