واقع الوباء الجديد.. تحوّلات العلم والعمل: أساليب واستثمارات

رغم السلبيات الكثيرة التي تسبّبت بها الجائحة في مختلف مناحي الحياة، إلا أنها اعتُبرت في الوقت نفسه فرصة حقيقية بالنسبة لبعض القطاعات الاقتصادية التي استطاعت أن تستثمر جهودها وتستنهض طاقاتها وتزدهر وتحقّق أرباحاً طائلة، ومن المتوقع أن تستمر في ازدهارها خلال السنوات المقبلة باعتبارها الأساس في عالم “العادي الجديد”، فنمط الحياة الذي فرضته الجائحة، قد يمتد لسنوات، وربّما يكون أبدياً، ما يفرض رؤى مختلفة في التعامل مع الواقع القائم، فما هي النظم والتقنيات التي يتطلبها الواقع الجديد، خاصة أمام القطاعين اللذين يعتبران المحركين الأساسيين في الحياة، التعليم والعمل، وهل سنتمكن في سورية من تبني هذه النظم والآليات وتحويل ما نمر به لفرصة حقيقية لخلق أسلوب حياة جديد..

التعليم عن بعد.. استثمارات عالمية ومنصات مجانية

فرضت الجائحة إيقاعها على أكثر من 1.2 مليار طالب في 186 دولة، حيث تأثرت طريقة التعليم في مدارسهم حول العالم، فبات التعليم عن بعد خياراً لا مفرّ منه، فمنذ بداية الجائحة، كان أول قرار تتخذه الحكومات حول العالم هو إغلاق المدارس والجامعات حتى إشعار آخر، ما فرض تكنولوجيا التعليم عن بُعد، التي تتيح للطلاب مواصلة تعليمهم بواسطة خدمات ومنصات وتطبيقات التعليم الإلكتروني وهم في منازلهم، الأمر تطلب إعادة النظر في النظام التعليمي نفسه ودور الاختبارات وأساليب التلقين والحفظ مُقابل التركيز على مهارات المستقبل مثل التفكير النقدي والبرمجة والمرونة والمهارات الشخصية، والدور المُحتمل للتعليم عبر الإنترنت في علاج المُشكلات الكامنة في النظام التعليمي.

وفقاً لموقع “وورلد ايكينوميك فوروم” فإن الإقبال زاد على تبني تكنولوجيا التعليم قبل جائحة كورونا؛ إذ بلغت الاستثمارات العالمية في تكنولوجيا التعليم 18.66 مليار دولار في عام 2019، ويُتوقَع وصول الحجم الإجمالي لسوق التعلم عبر الإنترنت إلى 350 مليار دولار بحلول عام 2025، ويأتي ذلك ضمن أشكال مختلفة مثل تطبيقات تعليم اللغات والتعليم الافتراضي ومنصات عقد المؤتمرات المرئية وبرامج التعليم الإلكتروني، وبالفعل زاد استخدام هذه الأشكال جميعاً في ظل جائحة فيروس كورونا.

وفي استجابة للطلب المُتزايد، أتاحت العديد من المنصات خدماتها مجاناً، ومنها شركة “بايجوس” (BYJU’S)، وهي شركة تقنيات تعليمية وتدريب عبر الإنترنت تأسست عام 2011 ويقع مقرها في مدينة بنجالور الهندية، وتُصنَف الآن بين أهم شركات التقنيات التعليمية على مستوى العالم، وشهدت الشركة زيادة بنسبة 200% في عدد الطلبة المستخدمين لمنتجاتها منذ أعلنت عن البث الحي للدروس المجانية على التطبيق الخاص بها (Think and Learn)، وفقاً للرئيس التنفيذي للشركة مرينال موهيت.

وفي الصين، تنامى الإقبال على خدمات الفصول الدراسية من شركة “تينسينت” (Tencent) منذ منتصف شهر شباط الماضي بعدما وجّهت الحكومة الصينية نحو ربع مليار طالب بمتابعة دروسهم من خلال المنصات الإلكترونية. وأنتج ذلك أكبر حركة إلكترونية في تاريخ التعليم؛ فقد صار هناك نحو 730 ألف طالب أو نحو 81% من الطلاب بين رياض الأطفال والمرحلة الثانوية يتابعون دراستهم عبر منصة “تينسينت” الإلكترونية، وفي الصين أيضاً، استجابت شركة “علي بابا” الصينية للتجارة الإلكترونية لنمو الطلب سريعاً، وقدمت منصتها “دينج توك” للتعلم عن بُعد خدمات لدعم العمل عن بُعد على نطاقٍ واسع.

بحسب موقع “crunchbase” حصلت منصات التعليم الإلكتروني خلال الفترة الممتدة بين كانون الثاني وتموز من العام 2020 على تمويل ضخم بقيمة 4.1 مليار دولار، بزيادة 1.5 مليار عن التمويلات التي حصل عليها قطاع التعليم عن بُعد خلال الفترة نفسها في العام الماضي 2019، كما أن إجمالي التمويلات التي حصلت عليها الشركات المتخصصة في تقنيات التعليم عن بُعد تتفوّق على التمويلات كافة التي حصدتها منصات التعليم الرقمي خلال الفترة نفسها في السنوات الخمس الأخيرة.

العمل عن بعد.. أساس دائم وإقبال كبير

أياً كانت الانتقادات التي تطال اعتماد العمل عن بعد كنهج جديد في العمل، إلا أنه تسيّد المشهد خلال الجائحة، وكان الحل السحري في منظومة الواقع الجديد، فرغم انتشار أدوات ومنصات العمل عن بُعد منذ زمن، إلا أنها أثبتت جدواها وفعاليتها خلال الجائحة بعد دخول المليارات في العزل المنزلي، حيث اضطرت معظم الشركات إلى الاعتماد بشكل كامل على أدوات العمل عن بُعد باعتبارها بديلاً مؤقتاً للعمل التقليدي القائم على الحضور والانصراف، ولكن يبدو أن البديل المؤقت سوف يتحوَّل في السنوات المُقبلة إلى أساس دائم لنظام عمل جديد.

حققت أدوات العمل والتواصل عن بُعد الشهيرة نمواً كبيراً مثل منصة “سلاك” (Slack) ومنصة “تريللو” (Trello) اللتين شهدتا إقبالاً كبيراً من فِرَق العمل أثناء العمل من المنزل.

أما تطبيق “زووم” الشهير لإجراء المكالمات الصوتية والفيديو والاجتماعات عن بُعد، فقد أعلن عن إيرادات بقيمة 328 مليون دولار في الربع الأول من هذا العام، بزيادة قدرها 169% مقارنة بالعام نفسه، ثم إيرادات بقيمة 663.5 مليون دولار في الربع الثاني. وبحسب “بيزنس إنسايدر”، من المتوقع أن يُحقِّق التطبيق إيرادات بزيادة 200%، وأرباح بزيادة 300% بنهاية هذا العام.

الأمر نفسه امتدّ لمنصات العمل الحر، حيث قالت هايدن براون، المديرة التنفيذية لمنصة “أب وورك” (Upwork) العالمية المتخصصة في العمل الحر، إن المنصة شهدت ما وصفته انفجاراً في نمو أعداد المسجّلين الجدد لديها منذ بداية أزمة الجائحة.

أمام هذا التطور التقني العالمي الملفت الحاصل لمواجهة الوباء الذي انعكس على كل مفاصل الحياة، ورغم المحاولات السورية التعامل معه بتحديه ومواجهته تارة، ومحاولة تفاديه تارة أخرى، إلا أن هذه المحاولات أثبتت عدم كفايتها، الواقع الجديد القائم يتطلب ما هو أبعد من ذلك، فالأمر لا يقتصر على مكافحة الوباء فحسب، بل التعمق أكثر في نتائجه وتداعياته ومحاولة تحويله لفرصة حقيقية لخلق أسلوب حياة جديد، من خلال انتهاج تخطيط آني ومرحلي ومستقبلي يوائم التغيير والتطور، مع إعطاء الأولوية للمشروعات الناشئة التي يمكنها أن تصمد وتتكيّف وتربح من الواقع الجديد، في محاولة لمواكبة التطور المتسارع الحاصل في العالم.

خاص|| البعث ميديا

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *