العلاقة بين الاستدامة والبناء الذكي

لم تعد القطاعات العمرانية في هذا العصر بمعزل عن القضايا البيئية الملحة التي بدأت تهدد العالم وتم التنبه لها في السنوات الأخيرة. فتعتبر القطاعات من جهة إحدى المستهلكين الرئيسيين للموارد الطبيعية كالأرض والمواد والمياه والطاقة، ومن جهة أخرى فإن عمليات صناعة البناء والتشييد الكثيرة والمعقدة ينتج عنها كميات كبيرة من الضجيج والتلوث والمخلفات الصلبة. وتبقى مشكلة هدر الطاقة والمياه من أبرز المشاكل البيئية – الاقتصادية للمباني، بسبب استمرارها وديمومتها طوال فترة استخدام المبنى. من هنا نشأت في الدول الصناعية المتقدمة مفاهيم وأساليب جديدة لم تكن مألوفة من قبل في تصميم وتنفيذ المشاريع، ومن هذه المفاهيم “التصميم المستدام” و”العمارة الخضراء” و”المباني المستدامة”.
تعكس هذه المفاهيم جميعها الاهتمام المتنامي لدى القطاعات العمرانية بقضايا التنمية الاقتصادية في ظل حماية البيئة، وخفض استهلاك الطاقة، والاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية والاعتماد بشكل أكبر على مصادر الطاقة المتجددة، لذلك بات مطلوباً من القطاع العمراني أن يستجيب وبسرعة للقضايا البيئية -الاقتصادية التي طفت على السطح في السنوات الماضية، وأن يتم إقحام الاعتبارات البيئية في جملة أهداف وسياسات وخطط هذا القطاع الحيوي الهام الذي أصبح على محك حقيقي، وهو مطالب أكثر من أي وقت مضى بتبني توجهات “العمارة الخضراء” “والمباني المستدامة” لكي يستطيع القيام بدوره الوطني والإنمائي، وتحمل مسؤولياته تجاه حماية البيئة وصيانة الموارد الطبيعية، ودفع عجلة التنمية الاقتصادية إلى الأمام.
يعود أصل كلمة استدامة (sustainer) إلى أصول لاتينية من مصطلح (to hold up)، وهي بمعنى الإسناد من الأسفل. “فالمجتمع يُشيّد من الأسفل عن طريق ساكنيه في الوقت الحالي والمستقبل” بحسب المفهوم الإغريقي. ويعدّ تطبيق مفهوم الاستدامة طريقاً للاستغلال الأمثل للموارد والإمكانات المتاحة، سواء كانت بشرية أو مادية أو طبيعية بشكل فعال ومتوازن بيئياً وعمرانياً، لضمان استمرارية الإدامة دون إهدار مكتسبات الأجيال القادمة.
وقد تم تحديد أربعة أهداف للأبنية المستدامة بموجب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية:
1- كفاءة المصادر ٢- كفاءة الطاقة ٣- التوافق مع البيئة ٤- التكاملية وتنظيم المناهج (ومن ضمنها تنظيم إدارة البيئة).
(التصميم المستدام، العمارة الخضراء، الإنشاءات المستدامة، البناء الأخضر) هذه المفاهيم جميعها ما هي إلا طرق وأساليب جديدة للتصميم والتشييد تستحضر التحديات البيئية والاقتصادية التي ألقت بظلالها على مختلف القطاعات في هذا العصر.
في عام 1980 ومع بداية الثورة التكنولوجية ظهر ما يسمى بالأبنية الذكية، وتُعرّف هذه المباني على أنها: مبانٍ ذات أداء عالٍ من حيث أنظمة البناء والخدمات، مثل الراحة والتدفئة والتهوية وتكييف الهواء والإضاءة وشبكة الأسلاك وأنظمة التحكم والأتمتة والصوت والبيانات والاتصال بالفيديو والسلامة والحريق والأمن.
مرت المباني الذكية خلال فترة تطورها بثلاثة أطوار متعارف عليها وهي: الأتمتة (الفترة الزمنية بين 1981 و1985)– الاستجابة (الفترة الزمنية بين 1986 و1991) – الفعالية (من 1991 حتى يومنا هذا) حيث تستخدم هذه الأبنية أنظمة التشغيل الآلي المعقدة، وأجهزة الاستشعار عن بعد، وأنظمة التحكم، لخلق فيض من المعلومات تسمح بالتحكم في الوصول إليها، ولتكن مفيدة للمستخدمين والإداريين على السواء. لكن مع تزايد الاتجاه نحو اعتماد المعطيات الحديثة لتكنولوجيا البناء في العمارة متمثلة بما يسمى المباني الذكية بشكل مبالغ فيه حيناً، ومقتضب تحكمه واقعية الحالة المعمارية المستفيدة حيناً آخر، يظهر التساؤل الذي يحاكم بين مدى حتمية تطبيق تلك المعطيات وجدواها على المدى البعيد؟ ومدى البعد التوافقي الواقعي لاعتمادها فعلياً والانطلاق نحو مستقبل معماري ذكي بمدخلاته ومخرجاته؟
إن الهدف الأساسي لكل من العمارة المستدامة والعمارة الذكية هو الحفاظ على الطاقة في المرحلة الأولى. حيث تشير الدلائل والإحصائيات إلى أن العمارة تعد ثاني أضخم صناعة في العالم بعد الزراعة من حيث استهلاك الطاقة، حيث تستهلك ما يقارب الـ 48%، وإنتاج ثاني أكسيد الكربون بنسبة 46%، مما يجعل الممارسات المعمارية في رأس قائمة أسباب التلوث. لذا لابد من إيجاد الحلول المناسبة، وذلك من خلال الربط بين مفهومي الأبنية الذكية والاستدامة، حيث يمكن بلورة تلك العلاقة ما بين الأبنيَّة الذكيَّة والاستدامة باعتبار أن الأولى مدخلاً لتحقيق الثانية، حيث تشتمل الأبنيَّة الذكيَّة على ذات الروافد الثلاثة المؤصلة للاستدامة وهي الشق: البيئي، الاجتماعي، الاقتصادي؛ معضداً العلاقة الوثيقة بينهما(المدخل/ الهدف)، ودافعاً لدعم الأبنيَّة الذكيَّة (المدخل) لتخرج بفكر الاستدامة (الهدف)، ويمكن تفصيل هذه العلاقة كما يلي:
الاستدامة كهدف للأبنية الذكيَّة:
تُعنى الاستدامة بالسياسات والإجراءات اللازمة للربط بين الأبعاد البيئية والاجتماعية والاقتصادية كمحاور أساسية، حيث لا يوجد هدف محدد للتنمية المستدامة، ولكن الهدف من التَنميَّة حينئذ هو استمراريتها، وللاستدامة ثلاثة أبعاد أساسية (بيئية، اجتماعية، اقتصادية) لابد من التركيز عليها وتحقيقها بغرض تأصيلها.
الأبنيَّة الذكيَّة كمدخل للاستدامة
بتحليل التنظير السابق لمفهوم الأبنيَّة الذكيَّة وخصائصها يمكن استخلاص بعض السمات العامة الحاكمة لها على المستويات الرئيسية الثلاثة المؤصلة للاستدامة (البيئية، الاجتماعية، الاقتصادية) حيث يمكن بلورة صياغة وتلخيص لأهم الأبعاد العامة اللازمة لدعم الأبنيَّة الذكية بفكر الاستدامة، كما يمكن ملاحظة اتفاق الأبعاد والمقومات الأساسية (البيئية والاجتماعية والاقتصادية) لكل من الأبنيَّة الذكيَّة والاستدامة، كما يمكن القول بأن الأبنيَّة الذكيَّة إنما تغطي مجموعة من القيم على كل المستويات البيئية والاجتماعية والاقتصادية بنوع من التطور المرحلي الهام لهذه الحقبة بتاريخ العمارة، ولتمثل رافداً قوياً للاستدامة.
مثال إقليمي على بناء ذكي أخضر: برج خليفة – دبي – الإمارات العربية المتحدة.
مثال عالمي على بناء ذكي أخضر: برج هيرست – نيويورك – الولايات المتحدة الأمريكية.

المهندسة المعمارية: جوزفين عماد رزق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *