من يقف خلف عودة نشاط “داعش” الارهابي في سورية؟

تشهد البادية السورية منذ أسابيع تصاعداً لافتاً للهجمات التي يشنها تنظيم داعش الإرهابي، ضد قوات الجيش العربي السوري والقوات الرديفة والحليفة له، ما يوحي بأن هذا التنظيم  تمكن وإلى حد كبير من إعادة تنظيم صفوفه في هذه المنطقة الصحراوية الشاسعة، بدعم وغطاء لا لبس فيه من قبل قوات الاحتلال الأمريكي وربما نشاط استخباراتي إسرائيلي غير مستبعد، بعد أقل من عامين على إعلان واشنطن المزعوم بسحق التنظيم في  منطقة الباغوز.

و في واقع الأمر، شكلت البادية السورية، مكانا مثاليا لـتنظيم داعش الإرهابي للاختباء والتقاط الأنفاس، ومن ثم شن هجمات خاطفة ضد القرى المعزولة أو القوافل التي تعبر الطرقات الصحراوية المكشوفة غالبا والتي يصعب تأمينها كليا، ولكن لايمكنه القيام بذلك بشكل عشوائي أو اعتباطي, فالتنظيم لايمكنه التجوال بين رمال الصحراء ووضع الكمائن دون معلومات استخبارية تقدمها قاعدة التنف, ولايمكن لهذه العمليات أن تحقق أهدافها دون معدات وآليات لايمكن انتاجها في الصحراء, ولايمكن أيضا أن يجد مخبأ آمن له أفضل من المنطقة المسماة حزام55كم, والتي تعتبر تحت الاشراف والاحتلال الأمريكي الذي قام بقصف القوات السورية عندما اقتربت من حدود الحزام الأمني, ووزعت الحكومة السورية، العام الماضي، اعترافات تلفزيونية لعناصر من داعش أُسروا في البادية، قدموا فيها معلومات عن لجوئهم إلى قاعدة التنف لتلقي العلاج والحصول على مؤن قبل العودة إلى الصحراء, فضلا عن أن معظم أهداف واستهدافاته تطال قوات الجيش العربي السوري والقوات الرديفة والحليفة له، أو أهداف بغاية اقتصادية كخطف والسلب لغرض التمويل.

ومايؤكد ذلك توضح قدمه المعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاتام هاوس) على شكل ورقة بحثية،تشير أن أوكار “داعش” في البادية السورية تتركز أساساً في ثلاث مناطق في عمق الصحراء:

_الأولى: جبل بشري في أقصى القسم الجنوبي الشرقي من محافظة الرقة.

_ الثانية: في منطقة الدفينة بجنوب غربي دير الزور.

_الثالثة: في الصحراء بين تدمر والسخنة غربا ,بمنطقة حزام 55 كلم جنوبا، محطة “تي 2” النفطية شرقا، ومنطقة فيضة بن موينع شمالا. وتشير هذه الورقة المنشورة عام 2019 إلى أن هذه المناطق تمتاز بطبيعة ملائمة للاختباء، مثل الجبال، والأودية، والكهوف الطبيعية العميقة جداً، بالإضافة إلى حجم المنطقة الكبير، وعواصف الغبار اليومية التي تشوش الرؤية الجوية وتمحو بسرعة آثار الحركة.

أما عن الأهداف من عودة انتشار داعش ومن يقف خلفها ومن له مصلحة في ذلك, فأن الجواب على ذلك يدفعنا نحو التالي:

  1. هناك حالة من الفوضى يشهدها مخيم الهول والذي تديره ميليشيات قسد من حيث تزايد اعداد القاطنين الخارجيين من داخله, وجهل مصيرهم, ولا يمكن لقيادات هذه الميليشات التصرف لوحدها دون ضوء أخضر أمريكي, فضلا عن اختفاء مايقارب من 6 ل8 ألاف مقاتل لداعش بعد انتهاء معركة الباغوز وفق تقديرات لصحيفة ول ستريت جورنال الأمريكية.
  2. رغبة إدارة ترامب في استنزاف القوات السورية والقوات الحليفة لها, بعد فشل ماسمي بالمعارضة المسلحة من توسيع نفوذها في المناطق الأخرى وتمكن الجيش العربي السوري من تحقيق قفزات عسكرية نوعية ومهمة لها تداعياتها العسكرية في المسار السياسي, وهذا النشاط لداعش يتزامن مع فرض ماسمي بقانون قيصر على سورية, وباعتقاد واشنطن أن ذلك سيزيد من استنزاف الدولة السورية وقدراتها.
  3. الرغبة الأمريكية الإسرائيلية المشتركة في استنزاف القوات السورية والقوات الرديفة في تلك المنطقة, وإبقاء الخط البري الواصل من سورية للجمهورية الإسلامية الإيرانية عبر العراق, في حال فوضى وغليان, لذلك نشهد عمليات عدوانية عسكرية مشتركة بين الجانبين في بعض الأحيان.
  4. هناك مصلحة وفائدة لميليشيات قسد أيضا, حيث ترى هذه الميليشيات وقادتها, أن تحرك ونشاط داعش ضد الجيش العربي السوري, سيدفع الحكومة السورية لتقديم تنازلات سياسية لها, أو سيمنحها بعض الوقت من خلال انشغال القوات السورية والروسية في قتال داعش بالبادية, ريثما يصل الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن, الذي قدم الوعود لهذه الميليشات بتقديم دعم وغطاء حقيقي لها وفق اعتقادهم.
  5. وجود تنظيم داعش في المنطقة بشكل نشط, يدعم التواجد والاحتلال الأجنبي في المنطقة, وهو ماتستغله الإدارة الأمريكية للضغط على الحكومة العراقية وتتذرع به لإبقاء قواتها في العراق وأيضا في سورية تحت مسمى قتال داعش, وربما يزيد الضغط على دول ماسمي بالتحالف الدولي لإعادة قواتها للمنطقة بحجة عدم ارتداد الإرهاب, ويمنح دولا أخرى كفرنسا مساحة لزيادة توسع نفوذها واستعراض امكاناتها لتستغل واقع الصراع القائم وتفرض نفسه طرفا فاعلا, وهذا الانتشار النشط لداعش في الآونة الأخيرة , دفع وزيرة الدفاع الفرنسية فلورانس بارلي’ للإعلان أمام لجنة الدفاع النيابية، عن أن حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» ستنفذ خلال النصف الأول من العام 2021 مهمة في شرق البحر المتوسط وفي المحيط الهندي في إطار العمليات العسكرية التي يقودها مايسمى التحالف الدولي المزعوم الذي تقوده أميركا بحجة محاربة تنظيم داعش في سورية والعراق.

هناك هدف سادس يتمثل برغبة متعددة الأطراف بتطويق  الإدارة الأمريكية المقبلة, ووضع العراقيل أمامها في حال قررت الانسحاب من سورية أو يمنعها من التوصل لاتفاق عبر تدعيم قواتها هناك تحت ذريعة محاربة داعش.

محمد نادر العمري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *