اكتئاب ما بعد الولادة.. الجانب الأخر للأمومة

 

هواجس كثيرة تراود أي امرأة مقبلة على الإنجاب تدفعها للتساؤل فيما إذا كانت قادرة على رعاية طفلها والاهتمام به أو أن تكون أماً صالحة وغيرها من الأسئلة التي في الغالب هي طبيعية عند خوض أي تجربة جديدة، وخاصة لدى الأمهات الجدد، وحتى من لديهن أولاد سابقون يصلن إلى مرحلة يفقدن فيها الثقة بأنفسهن ويصيبهن القلق والتعب، ومع كل تلك المشاعر التي ترافق الأمومة، من عطف وحنان ومحبة، إلا أن البعض يجدن أنفسهن ينفرن منها، ولا يتقبلن أطفالهن وقد يؤذوهم أحيانا..

لكن ذلك ليس مستغربا إذ تعاني معظم السيدات من اضطراب يعرف باكتئاب ما بعد الولادة PPD، ينتج عن التبدلات التي مروا بها خلال فترة الحمل وتظل مرافقة لهن بعد مجيء الطفل، لأسابيع أو أشهر، وذلك بحسب لما ذكرته الدكتورة سوسن جديد، اختصاصية بالتوليد وأمراض النساء وجراحتها، في حديث لها مع موقع البعث ميديا..

الدكتورة جديد أوضحت بأن اكتئاب ما بعد الولادة هو عبارة عن مزيج من التبدلات العاطفية والسلوكية التي تطرأ على السيدة خلال أربعة أسابيع من الولادة غالباً، وترتبط بمجموعة تغيرات اجتماعية ونفسية تتعلق بالحصول على طفل جديد..

من الكآبة العابرة إلى الاضطرابات الذهانية

أسباب عديدة تؤدي للمرور بحالة الاكتئاب ما بعد الولادة، عددت بعضها الدكتورة جديد، كانخفاض بعض الهرمونات، وقلة النوم، ونظرة الأم لنفسها إذ يمكن أن تفقد الثقة بجاذبيتها وجمالها أو أهميتها، وتعتقد أنها فقدت السيطرة على نظام حياتها.

وتضيف الدكتورة بأن معظم الأمهات يختبرن الحالة العابرة من هذا الاكتئاب، والتي تعرف بـ Baby Blues، وتبدأ خلال الأيام الأولى ويمكن أن تزول بمدة أقصاها أسبوعين، في حين أن سيدة من أصل عشرة نساء يتطور لديهم اكتئاب مزمن تظهر أعراضه بعد أيام أو حتى أشهر من الولادة، وقد لا يرتبط بالولد الأول، وهو ما يعرف بالاكتئاب التالي للولادة PPD، وتتمثل أعراضه بالمزاج المنخفض والشعور بفقدان قيمة الذات أو جدوى وجود الأم، التفكير بالموت أو الانتحار، وإيذاء النفس والآخرين..

وفي بعض الحالات، بحسب الدكتورة جديد، تصل واحدة من ألف سيدة إلى مرحلة شديدة الخطورة من الاضطرابات الذهانية، وتتميز هذه المرحلة بإهلاسات سمعية أو بصرية أو أوهام، إضافة إلى أن المريضة تفقد تواصلها مع الواقع والمحيط وتصبح دائمة الأرق والقلق والعصبية..

دعم الأم واحتضانها

تأثير اكتئاب ما بعد الولادة لا يقتصر فقط على الأم، إذ يتنقل ذلك إلى الشريك والطفل، لذا لا بد من مراقبة أي تبدلات غير طبيعية في تصرفاتها، ووفقا للدكتور عامر الحاج، الاختصاصي بالطب النفسي، فإن تجاهل ما يحصل خلال تلك الفترة يؤدي إلى زيادة شدة الأعراض، وقد يصل الأمر بالمريضة لرفض المولود ومحاولات إيذاء الآخرين وحتى إيذاء نفسها، كالإقدام على الانتحار مثلا..

ونوه الدكتور الحاج إلى أن أثار الاكتئاب على الأم تختلف تبعا لعمرها ومستواها الثقافي والاجتماعي، وحسب استمرار الأعراض وتطورها، فضلا عن أن ذلك يؤثر على الطفل لدرجة تعرضه للإهمال أو الأذى المباشر.

كما أشار إلى أن الوسط المحيط بالأم يجب أن يدعمها ويتفهم ما تمر به وأنها بحاجة للعلاج والمتابعة من قبل طبيب نفسي، مشدداً على عدم لوم المريضة أو التعامل معها بعنف..

نظرة المجتمع

الخوف من نظرة المجتمع تدفع بأغلبية النساء لعدم الإفصاح عن مشاعرهن وإخفاء ما يمرون به، ما يؤثر سلباً على حياتهن وحياة أبنائهم، فالاعتقاد السائد بأن الأم نبع العطاء والحنان لا يجب أن يزعزعه أي اكتئاب، حتى لو على حساب صحتها النفسية والجسدية، فالأمومة لا تُقاس بمعايير خاصة ولا ترتبط بتقييمات لا أساس لها، يفرضها آخرون بما يتناسب مع عقلياتهم وتفكيرهم…

رغد خضور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *