الأطفال وحكاية ما قبل النوم

 

مازالت في خيالنا رؤى رائعة، وشخوص فيها السحر والبطولة والقوة، ومازالت معاني الخير والشر والقبح والجمال والحق والفضيلة تقاس على ذلك المعيار القديم الذي صاغته حكاية ما قبل النوم.

مازالت الحكاية القديمة هي العالم الأثير لدى الطفل، إنه يجد متعة سحرية في عالم الغابات الخضراء والورود الملونة، وقصور الملوك القديمة، ويكشف له أبطالها من الأرانب والثعالب وجنيات المصباح عن شكل من أشكال العلاقات بين الكائنات والطبيعة، والكائنات بين بعضها البعض،ما ينمي لديه القدرة على استيعاب الواقع من حوله.

إن البحث في العلاقات الوثيقة بين الحكايات القديمة ونفسية الصغار أمر غاية في الأهمية، لما لتلك الحكايات من تأثير على معتقدات الصغير ونظراته للأمور في عالم الواقع الذي يعيشه مع والديه وأقرانه، إنه يتعلم من أبطالها ويرتاح للنهايات السعيدة، ويضطرب لمعنى الفقدان والموت عندما تسرده الحكاية، فما الذي يجب علينا أن نفعله حتى نحوّل عالم اللاواقع في الحكاية إلى عالم إيجابي، يتعلم منه الصغير قيم ومثل المجتمع الذي يعيش فيه وينقل الواقع ويواجه صعوباته؟ ..

تلعب الحكاية دوراً كبيراً في عملية التنشئة الاجتماعية وقد تكون بعض القصص الخيالية وسيلة فعالة في عملية التنشئة الاجتماعية التي من بين وسائلها استخدام بعض الشخصيات الخيالية كوسائل فعالة في التأديب والتهذيب، وبغض النظر عن الشطط فيها أحيانا، هذه الشخصيات التي تتمثل في قصص الغيلان والجن الشرير وغيرها، وقد يُقبل الأطفال في زمن طفولتهم المبكرة على تلك القصص أو الحكايات التي تعبّر عن فكرة الضياع أو الفقدان والاستعارة، وهي الفكرة الموجودة أساسها في نظرية التحليل النفسي، إذ يجد الطفل في فترة المهد غياب أمه ثم عودتها إليه، والأم بالنسبة للطفل هي الحماية المادية والعاطفية، وتتكرر سعادة الطفل كلما عادت إليه الأم، وتعزز رغبته في عودة الحماية.

يجب أن تعرض الحكاية للطفل فكرة محددة، أو موضوعاً واحداً بسيطاً يرتبط بخبرات الحياة اليومية، ويعكس خيالاً بسيطاً، كما يجب أن تتقدم القصة في مسار واحد دون أن تتضمن فرعيات ثانوية، كما يجب أن يكون مسرح أحداث الحكاية مكاناً محدداً، كغابة أو قصر كبير أو مدرسة، كما أنه من الأفضل أن تكون مساحة الحكاية الزمنية قصيرة، ويتم سرد التفاصيل الأخرى (التاريخ والجغرافيا) في مقدمة سريعة، كما يفضل أن يكون عدد الشخصيات قليل على أن تكون مميزة ومقنعة.

يبقى أن نقول: إنه حين يحكي لكم الصغير حلماً رآه، أو ينبئكم بأنه يشعر بمعاناة نحو مشكلة ما تبدو شديدة الصعوبة بالنسبة إليه، فلا ينبغي أن تحدّثوه مباشرة في ذلك الأمر، ولكن قولوا له: تعال سوف نحكي لك حكاية.

 

د.رحيم هادي الشمخي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *