«النفور من الآباء».. وتأثيره على المجتمع

غالبا ما يسعى الشباب في سن المراهقة لإثبات ذاتهم عبر استقلالهم عن جو الأسرة كالانزواء برفقة أصدقائهم، وما زاد الطين بلّة استحواذ منصات التواصل الاجتماعي عموما والألعاب الإلكترونية كـ “لعبة الببجي” مثلا على جلّ اهتمامهم، وهو ما ساهم بزيادة الهوّة أكثر ونشوء علاقات أسرية رسمية بين الأبناء وآبائهم وتحوّلها في كثير من الأحيان لنفور وكره للأبوين أو لأحدهما ويساعد في نمو هذه المشاعر الدخيلة على مجتمعنا غياب الآباء الطويل عن البيت كُرمى كسب الرزق وتأمين لقمة العيش، وهذا الأمر يبعث على القلق ويدفع باتجاه دقّ ناقوس الخطر حول زيادة الهوة التي تنشأ بين الأبناء وبين آبائهم.

ماهية النفور من الآباء

ذكرت الأخصائية النفسية الدكتورة سلام قاسم في حديثها لـ“البعث ميديا”

بأنه تم وصف هذا المصطلح في البداية عام 1976 كنوع من “الانحياز المرضي”، حيث تشير الديناميكية إلى الحالة التي يشعر من خلالها الطفل بالنفور بشكل غير منطقي تجاه أحد الأبوين الذي لا يملك حق الوصاية، وسمي بمصطلح متلازمة النفور من الآباء، واقترح باحثون التركيز بشكل أقل على تشخيص المتلازمة والتركيز بشكل أكبر على ما تم وصفه “بالطفل المتسم بالنفور”، وديناميكية الموقف التي ساهمت في الشعور بهذا النفور، فمن وجهة النظر هذه يُعتبر النفور نهاية للتعلق بين أحد الأبوين والطفل.

أسباب النفور

ما إن يتنبّه الآباء لمشاعر النفور والكره التي نشبت حتى تجدهم يلهثون للبحث عن أسبابها ودوافعها، التي أوضحتها لنا الأخصائية من جانبها بالتعامل بالتفضيل والتمييز: سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، حيث يلجأ العديد من الأهل وبوضوح في التعامل بطريقة التفضيل وتمييز أحد الأبناء عن غيره، وغالبا ما يكون الطفل الذكر الوحيد بين الفتيات، أو الطفل الأصغر في العائلة، أو الطفل الذي يعاني من حالة خاصة. وتضيف بأنهم يفعلون ذلك دون انتباه منهم إلى مشاعر الأطفال الآخرين معتقدين أنهم كأطفال لا يشعرون بشيء، تلك التفرقة في التعامل والتمييز بين الأبناء تؤدي إلى الشعور بالنفور وعدم الرضا مع الوالدين، هذا بالإضافة إلى توتر علاقة الطفل مع إخوته بشكل عام ومع الأخ أو الأخت المميزين والمفضّلين لدى الوالدين بشكل خاص.

استهزاء وسخرية

من أسوأ عادات تربية الأطفال المتّبعة في أغلب المجتمعات والكلام لازال للسيدة “سلام” هي عدم الاهتمام بمشاعر الطفل كونه صغيرا، مما يجعله يتعرّض لمواقف سخرية واستهزاء من قبل والديه أمام الآخرين ظنا منهم أنه لن يكترث لذلك، كذكر أحد عيوب الطفل أمام الآخرين مثلا، والحديث عنها.

تعامل لا أخلاقي

تشير “سلام” إلى أن الكثير من الآباء يعتقدون بأنهم يملكون الحرية الكاملة في التعامل كما يريدون مع أبنائهم كونهم الآباء وان هذا حقّهم، إذ يحدث هذا بشكل خاص في المراحل الأولى من حياة الطفل، حيث لا يدرك الطفل معنى وقيمة وأهمية الأخلاق، حيث يبدأ الأهل بالتصرّف بشكل سيء أمام أبنائهم، ويتلفظون بألفاظ بذيئة وعبارات جارحة وخاصة في النقاشات العائلية أمامهم.

كل هذه التناقضات في حياة الطفل والتي تحدث أمام عينيه تجعله حائرا بين نصائح أهله وتصرّفاتهم، فيشعر أنه تائه بين ما يقال له بأنه يجب عليه عمله وبين ما يراه على أرض الواقع بين الأبوين.

قسوة وبخل

البخل الذي نتحدّث عنه هنا هو البخل العاطفي والكلام لـ “سلام” التي أضافت أنه يجب على الأهل تغذية أطفالهم بالعاطفة والحبّ والحنان بالدرجة الأولى وقبل كل شيء. التعامل من بعد خصوصا في تعامل الأب مع الأبناء، نظرا لاعتقاد الأب بأن دوره هو توفير ما يحتاجه الطفل في البيت من طعام وملابس، فلا يدرك وجوده المعنوي والعاطفي وأهمية ملامسته للطفل، فبالنسبة له الطفل لا زال صغيرا ووالدته معه دائما. لكن ما يجهله الآباء والكلام ما زال لـ “سلام” هو أن غيابهم عن أبنائهم في مراحل نموهم المختلفة يؤثر وبشكل كبير جدا على علاقتهم مع الابن، فالأب إما أن يكون الداعم للابن من الناحية المعنوية والمعزز لثقته بنفسه، وإما أن يكون السبب في انحدار تلك العلاقة لدرجة النفور من الأب وعدم الشعور بالحاجة له.

التعامل بدون تقدير

للأسف فإن تقدير العمل من الأبناء مهما كان صغيرا أو كبيرا هو شبه معدوم عند بعض الأهل، وهو ما يندرج ضمن تصنيفات المختّصين على أنه آفة تربوية خطيرة.

وفي هذا السياق تقول “قاسم”: إن بعض الأبوين يكون متسلطا أو كلاهما ولا يقبلون لأبنائهم إلا استمرار تربيتهم بنفس طريقة أجدادهم وينسون أن هؤلاء الأبناء قد خلقوا لزمان مختلف عن زمان آبائهم.

ونوهت “قاسم” لضرورة الانتباه إلى ما تفرزه العلاقة السيئة بين الآباء وأبنائهم على الأسرة والمجتمع من آثار سلبية، فهي تؤدي إلى تفكك الأسرة وزعزعة الثقة بين أطرافها، فينشأ تاليا جيل ضعيف الشخصية يمكن التأثير عليه من قبل الآخرين ولديه القابلية ليسير بطريق الجنوح وقد يصل إلى الجريمة وهنا يبدو الخطر الأكبر الذي يكون بمثابة تدمير جيل وتهديم مجتمع .

بناء على كل ما سبق ينبغي على الآباء التحلي بالهدوء والتروّي في التعامل مع أبنائكم فما تزرعونه اليوم سوف تحصدونه غدا.

 

البعث ميديا|| ليندا تلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *