عنصريّة “اللّقاح”

في زمن الوباء، وأمام الحرب الباردة التي يشهدها العالم، ويعلنها التّنافس المحموم على إنتاج اللّقاح وفق معايير لا أخلاقيّة يغلب عليها الاحتكار والجشع بجني المال وتتسيّدها المصالح، مع ما يرافق ذلك من صراعات سياسيّة واقتصاديّة سريّة ومعلنة تدفع ضرائبها الشعوب، تأتي بعض الممارسات التي تشي بأزمة إنسانيّة واضحة قائمة على تسييس الوباء ومنحه طابع العنصريّة، التي لم تقف عند التّمييز بين الدول والتوزيع غير العادل للّقاحات، بل وصلت لحد  التّمييز بين اللّقاحات ذاتها وفقاً لجنسيّة مُصنّعها، في خطوة تؤكد أنّ هناك ما هو أشدّ خطراً من الوباء ذاته..

في استمرار للنهج المضطرب والاستفزازي في التعامل مع الجائحة، أعلن عدد من دول الاتحاد الأوروبي أن الملقحين بلقاح “سينوفارم” و”سبوتنيك” لن يتمكنوا من دخول أراضيها، أي لن يتم اعتبارهم ملقحين، ما يعيق حصولهم على وثيقة السفر الطبية التي تصدرها أوروبا لمن تلقوا اللقاحات المسموحة فيها، وهو ما أكدته حكومة فرنسا معلنة معارضتها لاستخدام اللقاحات الروسية والصينية ضد فيروس كورونا في الاتحاد الأوروبي، في خطوة عدا عن كونها ترويجية للقاحات الأخرى على حساب اللقاحات الروسية والصينية، إلا أنها تحمل أبعاداً أخرى لا تخلو من التمييز وإحياء الفصل العنصري الذي تبدّى واضحاً في اقتراح الفرنسيين تحويل إفريقيا إلى مختبر تجارب ضخم للقاح فيروس كورونا.

الأمر لم يكن مستغرباً في ظلّ تعمّد احتكار دول الاتحاد الأوروبي اللقاحات، وإصدارها قرارات تمنع خروج اللقاحات خارج دول الاتحاد قبل الاكتفاء الداخلي، وإتمام عملية التلقيح داخل الاتحاد، ما يعد انتهاكاً واضحاً لحقوق الإنسان، في ظل وجود دول غنية تستطيع أن تشتري المزيد من اللقاحات، بكميات كبيرة وهائلة تزيد عن حاجة سكانها، بينما تبقى الدول الفقيرة في خطر دائم ومستمر لعجزها عن الحصول على اللقاح، والخطورة تكمن باستمرار هذه الدول باحتكار إنتاج وتوزيع اللقاح، خصوصاً بعد رفض زعماء مجموعة السبع مناشدات لتقديم الدعم المالي الكفيل بإنهاء نقص لقاح كورونا في البلدان الفقيرة، فعلى الرغم من وضع خطة “لتطعيم العالم” كهدف لقمة “كورنوال” التي عقدت في بريطانيا، والوعود الفضفاضة التي رافقتها، إلا هذه الخطة أثبتت فشلها وفشل الدول الكبرى والغنية في أول فرصة جدية لإثبات أنه بالإمكان خلق حال إنساني في هذا العالم يكون فيه البشر متساوين ويعاملون بلا عنصرية، وإن كان ذلك على صعيد اللقاح فحسب، ولكن، ثبت العكس تماماً.

الثابت أن هذا الأمر سيترافق بتبعات تلقي بظلالها على الكثيرين الذين لا يستطيعون الوصول إلى اللقاحات من جهة، والذين لن يتمكنوا من اختيار نوعيّتها من جهة أخرى، خصوصاً ممن يقطنون خارج هذه الدول، في ظلّ تحول وثائق السفر الطبية إلى واقع مفروض، ما يعزز الحواجز بين الدول، ويرسخ سياسة الفصل بين الشعوب، وكأن هذا العالم لا تكفيه كل أشكال العنصرية التي تنخر فيه ليعاني نوعاً جديداً؛ عنصرية مناعية قائمة على نوع اللقاح وجنسيته والشركة المصنعة له، ينقسم فيه العالم على أساس قومية اللقاحات التي تتحكم بها الدول وتُخضع لها البشر، لتمنح هي فقط صكّ البراءة من الوباء، وتحاول السيطرة على المشهد بالكامل!..

هديل فيزو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *