الشيب المبكر… زهو وجمال أم مرض وقلق؟!

البعث ميديا || ليندا تلي:

“تعيرني بالشيب وهو وقار..يا ليتها عيرت بما هو عار إن تكن شابت الذوائب مني فالليالي تزينها الأقمار”
من الطبيعي أن نرى كبار السن من الرجال والنساء وقد زين رؤوسهم الشيب بعد رحلة سباق طويلة مع الحياة بحلوها ومرها، ولكن اللافت للانتباه رؤية من هم بعمر الربيع وقد غزا الشيب رؤوسهم.
هذه الظاهرة دفعتنا للخوض في غمار تفاصيلها من خلال أهل الاختصاص من جهة ورأي أخصائية تجميل وما تشهده من مرتادي صالونها من جهة أخرى، وقبل هذا وذاك رصد عينة من آراء الشارع حول الشيب على وجه العموم والشيب المبكر على وجه الخصوص لدى النساء والرجال على حد سواء باعتبار حفنة من الرجال يؤرقهم ظهور الشعر الأبيض لاعتبارات كثيرة، فيهرعون عبر الكثير من السبل المتعارف عليها من صبغة وحناء وميش وغيره.
“الشيبه هيبه” بهذه الجملة بدأ علي الشاب الثلاثيني سرد حديثه عن شيبه المبكر الذي ظهر عنده منذ الصف العاشر، مضيفا حينها انتابني شعور الزهو بالنفس والاعتزاز بأنني بت شابا يافعا، ونما شعوري وتعززت ثقتي أكثر مع السنين وزادت أكثر حين أبدت من سكنت قلبي إعجابها بشيبي، مضيفا علي بأن الشيب المبكر حالة وراثية بعائلته.
بعض السيدات ممن التقيناهن أبدين امتعاضهن من ترك الأخريات للشيب باعتباره دليل مصائب وشؤم ودليل ضعف في بعض الأحيان، فيما اعتبرت الكثيرات بأن صبغ الشيب المتواصل يعزز الثقة بشباب دائم، على النقيض فضلت فئة منهن الإبقاء على “الشيب” كنوع من التصالح مع النفس والخروج من عباءة “الحفاظ على الشباب” باعتبار كل عمر وله حلاوته.
في حين أبدت شريحة كبيرة أسفهن على الإبقاء على الشيب باعتبار دخلهن زهيد مقابل الأسعار الكاوية التي أرغمتهن على نسيان ما يسمى صبغة وتجميل ومكياج وغيره ممن اعتدن عليه قبل سنوات خلت.
حداد
رهف صيدلانية في العقد الخامس كنت اعتدت التردد على صيدليتها مرارا وتكرارا وغالبا لمجرد الاطمئنان عليها، إلى أن شاءت الصدف أن ألتقيتها بعد انقطاع طويل فإذ بي أرى رهف المفعمة بالحياة والشباب وكأنها سيدة ستينية شاحبة بشعر ناصع البياض، شعور بالأسى انتابني وصم لساني وقبل أن أنطق ببت شفة، تنهدت بحرقة لا تجزعي يا صديقتي أنا في حداد على والدي وسأبقى بهذه الحال إلى أن أتجاوز محنتي ذات يوم.
لامبالاة
أخصائية التجميل ميادة حسن تقول أحبذ الصبغات وأشد على يد السيدات، لأن الشعر الأبيض يظلم الفتاة ويظهرها بعمر أكبر، ليس هذا فحسب بل يعطي شعور بالاكتئاب والإحباط.
وعن شعورها الأول حينما رأت بعض الشعرات البيضاء تظهر برأسها تقول “ميادة” كان الموضوع حينها عاديا نوعا ما، وبحكم عملي كأخصائية تجميل ورغم حرصي الشديد على إخفاء الشيب إلا أنه في حالات المزاج المتقلب يبقى الشيب لفترة ولا أعيره أي اهتمام، هنا تستحضرها حالة مميزة وغريبة لصديقة غزا الشيب رأسها ورغم إلحاح المحيط وإصراره على طلائه ولكن تصالحها اللاطبيعي مع ذاتها كان حاسما لدرجة تغزلها بشيبها مبدية سعادة عارمة “يسلمولي شعراتي البيض”، “ماتبلا هالهيبه”، والأشد غرابة تقبل المحيط نفسه لها حتى بدا يرى شيبها جميلا.
أهل الاختصاص
يبدأ الشيب عند معظم الناس بعد عمر الثلاثين، ويعتبر مبكرا عند حدوثه قبل عمر العشرين لدى العرق الأبيض وقبل الثلاثين لدى العرق الأسود، بهذا التوضيح بدأت أخصائية الأمراض الجلدية والتجميلية الدكتورة رهف الخولي حديثها لـ “البعث ميديا”.
وعن أبرز أسباب الشيب المبكر تقول الدكتورة بأن القصة العائلية الوراثية لدى الأهل تزيد نسبة حدوث الشيب المبكر لدى الأطفال، وكذلك عوز الفيتامين b12، ومرض فقر الدم الوخيم يحدث 50% منهم شيب مبكر، ولا تقتصر الأسباب هنا بل أيضا هناك مشاكل الغدة الدرقية حيث يعمل الهرمون الدرقي على زيادة تصبغ الأشعار ونقص إفرازه قد يسبب الشيب المبكر، ناهيك عن التدخين الذي بينت بعض الدراسات تأثيره على الشعر عبر زيادة الجذور الحرة وبالتالي زيادة خطر حدوث الشيب الباكر، ولا ننسى الأعواز الغذائية أي في حال سوء التغذية الشديد قد يحدث شيب باكر ولكنه عكوس.
وفي سياق حديثها تنوه الخولي إلى أن الشيب الباكر يؤثر بشكل واضح على الحالة النفسية وقد يسبب عند بعض الأشخاص الاكتئاب والعزلة الاجتماعية، وقد وجد أن تأثيره لدى الإناث أكثر من الذكور بسبب الظروف المحيطة والوضع الاجتماعي لدى الإناث في المجتمعات.
نصائح
الخولي نصحت بالحصول على غذاء صحي متوازن يحوي على العناصر الأساسية زنك، مغنزيوم، فيتامينات الـb6 والـb12 والـb9 الضرورية للحفاظ على صحة الشعر ولونه، والابتعاد عن التدخين، وتجنب استخدام الأصبغة الصنعية بما تحويه على مواد مؤكسده لأن الأخيرة بتراكيزها العالية تؤدي إلى تسريع تلف الشعر وحدوث الشيب، كما نصحت باستخدام الحنة في حال وجود داع لاستخدام الأصبغة باعتبار الحنة مواد طبيعية.
وحول سؤال يتبادر إلى ذهن الكثيرات في حال وجود شعرة شايبة وتم نزعها هل تصبح شعرتان كما يشاع؟
تقول الدكتورة في حال نزع الشعرة البيضاء يبقى جذرها لتنمو شعرة شايبة، بهذه الحالة لم تزد عدد الشعرات الشايبة وبالتالي هذا اعتقاد خاطئ.
تخفيف
وعن علاج الشيب المبكر أو طرق تفاديه تقول الدكتورة في حال وجود عوز بفيتامين b12 أو مشاكل درقية فإن العلاج يخفف من تطور الشيب، أما في حال كان السبب عائلي فلا يوجد علاجا موصوفا يعمل على عودة التصبغ بالأشعار وعندها يتم اللجوء إلى استخدام مواد خارجية تطبق على الشعر الأبيض لإعطائه لون مثل “الحنة – الأصبغة الكيميائية”، مضيفة بأن الشعر الرمادي أصبح حاليا أحدث صيحات الموضة.
بارقة أمل
كشفت دراسة جديدة لفريق من العلماء والأطباء في كلية فاجيلوس للأطباء والجراحين بجامعة كولومبيا بأنه يوجد طريقة من شأنها أن تقلب عملية الشيب وتعيد للشعر لونه الطبيعي، لكن العلماء نوهوا إلى أن هذه الطريقة فعالة بالنسبة للبعض وليس على جميع الأشخاص، وبنسب مختلفة أيضا.
فحوى الدراسة بأن تقليل التوتر يمكن أن يؤدي إلى عودة الشعر الرمادي إلى الوراء، أي أنه يمكن استعادة لون الشعر الشايب الناجم عن الإجهاد إذا تم القضاء على التوتر، مشيرين إلى أنه مثلما تحتوي الحلقات الموجودة في جذع الشجرة على معلومات حول العقود الماضية في حياة الشجرة، فإن شعرنا يحتوي على معلومات حول تاريخنا البيولوجي، فعندما يكون الشعر لا يزال تحت الجلد مثل البصيلات، فإنه يخضع لتأثير هرمونات التوتر وأشياء أخرى تحدث في تفكيرنا وأذهاننا وجسمنا، وبمجرد أن ينمو الشعر من فروة الرأس، فإنها تتصلب وتبلور بشكل دائم وتظهر على شكل شعر أبيض.
استنادا لتنويه العلماء في الدراسة السابقة لا يوجد ضمانات أكيدة لعودة الشعر إلى لونه الطبيعي، خصوصا الذين اكتسح الشيب فروة رأسهم منذ مدة طويلة، ولكن يبقى ما نصحت به الطبيبة حلا وقائيا درءا للشيب المبكر أو تخفيفه على أبعد تقدير وليس لمنعه على الإطلاق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *