“سوريون” وتضحيات المرأة.. في النادي السينمائي

النهر الأخضر ومياهه المتجمدة والقارب الصغير وحركة المجذاف لم تكن مدخلاً للفيلم فقط، إذ وظّف المخرج باسل الخطيب النهر الأخضر ليحمل دلالات وإيحاءات توحي بالحلم الذي لم يتحقق والانتظار البطيء والأمل المرتقب، وبالحزن والشدة والمعاناة من الحرب في بعد آخر، وبمشهد حزين حينما يحقق يوسف حلم زينة باصطحابها إلى آخر طريق النهر المتعرج بالقارب الخشبي الصغير وهي ميتة، وبوقع تأثير كبير على الحاضرين جلسة النادي السينمائي الذي تقيمه مؤسسة أحفاد عشتار بالتعاون مع المؤسسة العامة للسينما في المركز الثقافي العربي –أبو رمانة- بعرض فيلم “سوريون” سيناريو وإخراج باسل الخطيب، وإنتاج المؤسسة العامة للسينما.

مقاربة الإبادة الأرمنية
تناول الخطيب في الفيلم الحرب الإرهابية بمشهدية تصوّر ملامح المهجرين الحزينة الذين فقدوا أحبتهم ومنازلهم وهجّروا من أماكنهم، وبذكاء يربط الخطيب بين قوافل الناجين من الإبادة الأرمنية على يد العثمانيين وبين قوافل الناجين من داعش، ومضيهم بالغابة وركوبهم بالشاحنات لجوءاً إلى مكان آمن، بدلالة واضحة إلى أن العدو واحد.
ويبني أحداث الفيلم من خلال بطولة المصوّرة الصحفية “ريما العبد الله-كاريس بشار” ومرافقها “ياسر-جابر جوخدار” وذهابهما بمهمة صحفية إلى إحدى المناطق المنكوبة بالساحل السوري، فتبدأ حكايتهما مع رصاص القناص المصوّب إلى سيارتهما وإصابة “ياسر” فتسحبه “ريما” إلى بقايا بيت مهجور، فيستشهد وتهرب من القناص لينقذها “يوسف- محمود نصر” الذي ينتقم من رجال داعش بعد أن قتلوا زوجته وبناته.
ويمرر المخرج المشاهد القاسية لسلوكيات داعش بقطع الرؤوس، ويتطرق إلى أحداث اجتماعية وقصة الحب القديمة بين “زينة-ميسون أبو أسعد” ابنة عم يوسف التي سئمت من انتظار يوسف فتزوجت غيره، لكنها تدفع الثمن كما ذكرت وتترك زوجها لتعيش بمفردها، وتقضي أيامها الأخيرة مع آلام مرض السرطان.
ركز المخرج على جمالية الطبيعة والمطر المنسدل والمنازل المهدمة وتفاصيل اجتماعية، وأدخل شخصية الشاب المعاق الذي تحن عليه زينة.

المطاردة والخيانة
وتمضي الأحداث بين “ريما” التي تنتظر فتح الطريق إلى الشام في منزل والد يوسف، و”زينة” التي تنتظر “يوسف” لتحقيق حلمها الأخير، وخيانة “عزام-محمد حداقي” لجاره وصديق عمره “يوسف” بانضمامه إلى داعش، وتسليم والد يوسف لداعش “فنان الشعب رفيق سبيعي” وموته بعد أن عرف أن ابنه “أيوب” الذي يحارب في الرقة قطع رجال داعش رأسه مع عدد من الجنود بعد أن أسروهم.
وطوال الفيلم لم يشر الخطيب إلى أية ملامح توحي بالدين تأكيداً على التلاحم الديني الذي تعيشه سورية، وصولاً لمشهد دفن والد يوسف ووضعه بالتابوت ليدرك المشاهد أنه مسيحي، يتزامن مع وجود “زينة” بالكنيسة.
في المشاهد الأخيرة تتصاعد الأحداث حينما يدخل الجيش إلى المنطقة، وفي الوقت ذاته يعتمد المخرج على المطاردات الفردية العنيفة بين يوسف الذي يأخذ حقه من رجال داعش وبين عزام الخائن باشتباكات تحبس الأنفاس، ليأتي بارود-كلب يوسف- في اللحظة الأخيرة ويساعد يوسف بالهجوم على عزام الخائن، ووجود الكلب إشارة إلى أن كل الكائنات الحيّة تشترك بالدفاع عن المكان الذي تحتمي به ويمنحها الحب والحنان، وهذا ما بدا واضحاً ضمن مجريات الفيلم حينما طلب منه يوسف أن يحرس بقايا بيته المهدم.
وبعد المطاردة مع عزام يطارد يوسف أميرهم-علاء قاسم- الذي يتكلم لغة غريبة تدل على تجنيد الأغراب وقدومهم من دول متعددة لمشاركتهم بتخريب سورية، فيسلمه يوسف إلى رجال الجيش العربي السوري.
ويقفل يوسف حكايات الفيلم بالوصول إلى إتمام رسالته فبعد اللقاء الأخير توحي زينة ليوسف بأن روح والده ستكون مرتاحة بإعادة إعمار بيته، برمزية إلى تجاوز الألم والفقد والأمل بالغد وبمستقبل سورية، وتتكامل الصورة مع ريما التي عادت إلى حياتها في دمشق تنتظر ابنتها أمام مدرسة الباليه إيماءة إلى الفنون والإبداعات التي لم تتوقف رغم القذائف والموت.
الحقيقة أكبر
وبعد العرض عبّر الخطيب عن مشاعره الحزينة تجاه فيلمه لعمله مع أشخاص رائعين وخاصة فنان الشعب رفيق سبيعي وحضوره المؤثر في آخر عمل له.
وأنه مهما حمل الفيلم الروائي من أحداث ومشاعر تبقى الحقيقة أغنى من خيال أي مبدع، فالواقع الذي عشناه في سورية جعله يذهب باتجاه البحث عن ما حدث، وسوريون الفيلم الثالث من الثلاثية السينمائية التي أنجزها في سنوات الحرب على سورية “مريم والأم وسوريون”، بغية تناول صورة المرأة السورية في زمن الحرب، فاختار نماذج نسائية واجهت أوضاعاً سياسية واجتماعية وتاريخية صعبة، ولم تتخل عن قدرتها على الحب والتضحية.
أما الحاضرون فكانوا في حالة صدمة من تأثرهم بالفيلم، ورأت القائمة بأعمال السفارة الفلبينية في دمشق السيدة فيروز أن فيلم “سوريون” من أجمل الأفلام التي شاهدتها، لأنه أوضح حقيقة ما حدث على أرض سورية، وسألت عن إمكانية عرض الفيلم في الفلبين والدول المجاورة..
كما وجه سؤال للخطيب عن الرمزية بالفيلم واللعب على المشاعر؟
فعقّب الخطيب بأن الفيلم عُرض في دول عدة ومؤخراً في أستراليا، ومن الممكن دراسة العروض المقدمة لعرضه، ونفى رمزية الفيلم لأن طبيعة السينما بعيدة عن الرمز، وأنه قدم دلالات إيحائية، وحينما يخاطب المخرج مشاعر الجمهور وعواطفهم يكون بشكل أو بآخر استحوذ على جزء من طرائق تفكيرهم، لاستقبال رسالة الفيلم، فالهدف من الفيلم إعادة النظر والتفكير بحقيقة ما حدث على أرض سورية.

ملده شويكاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.