دبلوماسيّة العصر الحالي

غنيّ عن البيان أن التحديات الرئيسية للعالم المترابط الذي نعيش فيه اليوم مثل تغير المناخ، والأوبئة، والحروب الإقليمية، وهجرات اللاجئين، لم يعد من الممكن معالجتها دون درجة عالية من التعاون بين الدول، لكن هذا التعاون الدولي لا يحدث في كثير من الأحيان.
لذلك إن الدبلوماسية هي الوسيلة الوحيدة لبناء الجسور، وتحديد المصالح المشتركة وتعزيزها، وهذا يتطلب ذكاءً من كلا النوعين الفكري والعاطفي، فضلاً عن فهم أنه لم يتم تكليف أي دولة بمسؤولية الحفاظ على النظام العالمي، كما لا ينبغي لأي دولة أن تدعي أنها “أعظم دولة في العالم”.
نعم يسعى جميع البشر لتحقيق الأمن والرفاهية ويحلم جميع البشر بالسعادة، لكن كل بلد مختلف وله الحق في تحديد قيمه وسياساته بناءً على تاريخه وثقافته وأعرافه الاجتماعية، لأنه بالنظر إلى التحديات والتهديدات العالمية فإن الحاجة إلى دبلوماسية فعالة واضحة أصبحت ضرورية جداً.
يعاني العالم اليوم من فشل الدبلوماسية، لأنه لم ينظر إليها على أنها أداة لمعالجة الخلافات بين الدول، لكن للأسف أصبحت الدبلوماسية أداة سياسية تُستخدم للاستهلاك المحلي، ولم تعد منصة لحل الخلافات بين الدول وجسر الخلافات في الآراء والمصالح. وهذا الأمر أكثر ضرراً بل وأكثر خطورة لأن العالم بات يعيش في أوقات تتلاشى فيها الخطوط الفاصلة بين الوطنية والقومية، وهو ما يخلق مجتمعات متطرفة تنظر إلى الدول الأخرى بالريبة والازدراء، وهي مشاعر يتم تضخيمها من خلال وسائل التواصل الاجتماعية السامة.
لا عجب أن تفرز الاتجاهات السياسية الحالية دبلوماسيين غير فعالين يستبدلون الحوار الهادئ والفعال الموجه نحو الحلول بحوار مليء بالمبالغة والمطالب المتطرفة التي تتجاهل مبادئ الدبلوماسية، وبدلاً من إجراء مفاوضات ذكية تستند إلى مقارنة المصالح وقيمتها النسبية لكل جانب، غالباً ما تتدهور الدبلوماسية إلى مباريات صراخ.
لذلك يجب أن تمثل الدبلوماسية المبادئ والقيم والعلاقات والحلول، ويجب أن تعزز الحوار لا أن تتخبط في الإدانات وتقريع الأمم من أجل العناوين التافهة، بغض النظر عن مدى إغراء تلك العناوين لبعض الشخصيات الرئيسية. كما لا يتم تطوير الحلول الحقيقية أمام الكاميرات، وليس في البيانات الصحفية أو التغريدات، بل تتطلب مناقشات هادئة ومنفصلة في بيئات آمنة وخالية من التسريبات، حيث يمكن للمشاركين التحدث بصراحة واقتراح حلول إبداعية دون الحاجة إلى القلق بشأن قراءة كلماتهم على منصات التواصل الاجتماعي.
إذاً ما يفتقده العالم هو فن الدبلوماسية الذي يهدف إلى منع الأعمال العدائية، وسيحسن الدبلوماسيون صنعاً إذا ما اهتموا بحكمة الطبيب الصيني الشهير، بيان كيو، عندما سأله الملك عن أفضل طبيب بينه وبين شقيقيه اللذين كانا أيضاً طبيبين، أجاب بيان كيو أن أخاه الأكبر هو الأفضل، ثم جاء بعد ذلك أخوه الأوسط وبعد ذلك، قال أنا.
بمعنى آخر، لا يجوز التسرع في الدبلوماسية، بل يجب أن يتم بذرها وسقيها وتعزيزها لفترة طويلة جداً قبل أن يتم استدعاؤها في حالة الطوارئ، تماماً عندما يحتاج الجراح إلى وضع حقنة في ذراع المريض قبل الجراحة، لأنه بمجرد بدء الجراحة يمكن أن ينخفض ضغط الدم، وقد يكون من الصعب جداً العثور على الوريد.

هناء شروف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *