تجديد الخطاب الديني

لم يختلف الواقع العربي خلال العقود السابقة، وخاصة بعد تعرض المشروع القومي لنكسة مقابل تنامي نفوذ وصعود التيارات الدينية، أي اختلاف عما ساد في أوروبا قبل العصور الوسطى أو ما عرف حينها بعصور الظلام، حيث بات الخطاب الديني العامل المؤثر في مختلف مجريات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية حتى بات الانقسام والولاء مابين التيارات الدينية تحكمه المصالح أكثر منها نتيجة المعتقدات.
المتابع للارتباط الديني والسياسي يجد أن هناك أنظمة تستمد شرعية وجودها من الطابع الديني رغم أنها تختلف في طريقة إدارتها للحكم، فبعض الدول تتضمن مؤسسات رسمية ويوجد فيها نظام انتخابي، في حين إن البعض الآخر لا تتضمن أي من مشاهد هذه الديمقراطيات، حتى الصورية منها.

في حقبة الإغريق والرومان والفينيقيين والفراعنة، وغيرها من الحضارات، حكموا إمبراطورياتهم بادعاءات دينية إلهية ونفوذ سلطوي مستمد من تلك الادعاءات، وكانت لهم بصمات مازالت متواجدة حتى يومنا هذا. لكن الأخطر هو نوعية الخطاب والترويج لذلك من خلال نشر الإيديولوجية، وهو ما أدى خلال عقود سابقة نحو التعصب الذي مهد للتطرف وصولاً للإرهاب، وظهور تيارات متشددة تتبنى مثل هذا الخطاب التطرفي كـ “القاعدة والنصرة وداعش” وغيرها الكثير من التنظيمات الراديكالية، دون إغفال تغذية هذا النمو من قبل الدول الغربية التي استنسخت ظروف معاناتها لتغرق خصومها به, وإلا لماذا قامت بريطانيا برعاية ودعم حركة “الإخوان المسلمين” في مصر عام 1926_1928، ولماذا دعمت أمريكا “القاعدة” في أفغانستان، والتنظيمات الإرهابية في سورية والعراق وليبيا، ولماذا تم تسهيل ما يسمى المراكز الثقافية لنشر الكره حتى في البلاد الغربية لتجنيد المقاتلين؟.. إذاً بالمجمل إن الخطاب الديني الذي شكل وسيلة لتأسيس ما سبق ذكره سابقاً، كان وسيلة لتوسيع النفوذ.

لذلك إن تبني الفتاوى المتناقضة ليس سوى قناع ظاهري، لأن التجديد هو سمة دينية وسياسية واقتصادية واجتماعية، شريطة ألا تمس بحياة الناس أو تؤدي لنفي أو تحرم حقوق الآخرين الأقليات.

من هنا إن ما تم اتباعه عبر الخطاب الديني خلال السنوات الماضية كان الهدف منه خدمة الكيان الصهيوني فقط، ومن خلفه أمريكا والدلائل على ذلك كثيرة، ولعل أبرزها عندما يزعم الصهاينة “إنهم شعب الله المختار” وغيرهم هم “الغويم”، فهذا يؤكد أن انتشار الخطاب الديني المتطرف يسهل لهم نشر ادعاءاتهم المزيفة المستندة للدين، وهو الشيء نفسه الذي ينطبق على الفتاوى التي ظهرت من قبل “القاعدة وداعش”، لذلك إن تجديد الخطاب الديني ووضعه على السكة الصحيحة بات حاجة الضرورة.

 

محمد نادر العمري

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *