طيف الهوى.. على القلب استوى

رحم الله ماءً نزَّ من ضمير الغياب.. وصمتاً بكى من رجع صداه..
في تحليقها العالي وعلى القلب الذي استوى، تأخذنا زينب حسين في ترنيمة على مقام الأنوار وحكاية متقدة بلهيب سر ينطق بالهوى ويسأل فيض السرّ كيف يشف عن جنح الغواية خافق..؟
أدركت الشاعرة في نصوصها المسربلة بالإشراق أنّ الحنين محض غواية وهي التي راحت تلوي الروح في قد القصيدة مذ سقاها الموج سره. وراحت تستخلص من الوقت مشروعية المطلق في نبوءة صارخة أتاحت للأفعال فرصة التأجيج في انعكاس مرايا الاستنهاض وهي تلامس الوجدان سراً وعلانية.
أسلوب تلثم فيه نفح الروح بالهمس المقفى.. وتشدو كتوليفة شهية النجوى.. تقف في صداها الأبدي على ناصية السفر في الأنا الظاهرة، وهي تَعدُّ حبات النجوم وتسامر ظل القمر.. وتقرأ ندوب الظنون.. وفي أهداب طوافها ثمة ناي معشش في الصدى لمنادى ليس بعيداً وهو قاب مرارتين أو أدنى.
تأخذنا زينب حسين في رحلة مكابدة لا تخلو من الضجيج الذي يحاكي مرقدها.. فروحها بعد لم ترو من جرة الورد الجريح بحسب وصفها..
“لا وقت
لا وقت..
إني حادي الحزنين..
إني هاهنا..
سَيري..كليلٌ
والخطا..
نزف المسافة بين النار والنار..
فالهدير ملتاع والخوالج بصرخة النزف العالق على رجفة السؤال تلهث خلف ناصية الألم..
تدعوك النصوص (في القلب استوى) لفك حجب المسافة في احتمالات المشبه والغائب والتي جاءت على هيئة شوشرة بعد أن صانت البرق بالصدى.. وكأنها تقول “بسيطة هذي العروق.. قريبة ومثيرة حد النزيف إلى مكامن عتقها”.
في شغف الشاعرة ثمة عناوين موسيقية تبدأ من حد الرشفة الأولى إلى القمح الذي يخامر صفوة الناي في مفردات تماثل خوابي الكلام في أكثر نصوصها.. وهذا ما أعطاها حيزاً واسعاً في فرد مساحات نسجِ مباهج النفس وتصاويرها الجلية. .
” حسبي أٌذلّ وحسب العمر مشعله.. وحسب قمحي جنى من بات يجنيني”
تنسج خيوط الحبكة الشعرية من معينٍ مترعٍ وممزوج بذاكرة الحمد المطرز.
تنصرف الشاعرة إلى قول جليّ القسمات مشحون بشجن وتنبيه واستثارة كما في قولها: “تدرك أن لظلمتي نذر من الغنج المحبب حين نقفز حول خيطك.. علها ترفو القيافة في صهيل صوتك”.

(في القلب استوى) تستعير الشاعرة قميص الأبجدية من ألفها إلى ياء الهُيام.. ماؤك الكاف في ضمير الغيم.. والراء الراجحة من كفة النور.. ياء المشوق والمعتق واليتيم.. ميم المحاجر والمآقي التائقات الحانيات العاشقات.
واذا كانت الكتابة المبدعة إمكانية كل امرأة لأنه فعل أنوثة كما قيل..فقد وهبتنا هذه ( الزينب) في نصها إذ دنوت “التفاتة غصة الصوت الرفيقة اذ تنادي باسم زينب.. أو ترنُّ بثغر كون.. قد توسل ما لديك..”.
هذا التكاتف هو ترتيب على مقاس جديد بلغة ونكهة تفوقت فيها الشاعرة على البلاغة بانفعال وتفاعل يعيد صياغة النص ووضع مقومات الرشفة الأولى.. وبقيت مرتهنة للقوافي، وهي التي عشّقت الحرف وجعلته مستعراً ودراً.
في (على القلب استوى) ثنائيات وجلاء وحيوية اشتغلت عليها الشاعرة بأناقة كنبض مشبه بالصحو.. وهي “المصانة بالسراب.. وهي المصانة بالصدى”.
ولا تخلو بعض نصوصها من غربة، لكنّ الشاعرة تطوّع أدوات ندائها لتبللنا بقطرات المجاز ودلالات ارتهانه للوقت في تباريح الكلام فتقول:
“ذاك الهوى يا شمس ردَّ جوارحي
وإذا يُحدُّ فقد أعيش قتيلا
يا شمس من نبضي أشف غريبة
وكذا يغرّبني الزمان كليلا”.
أمثلة عديدة تأخدنا فيها الشاعرة كالأطفال والمسنين إلى حدائق الهوى وأفانينه.. فتقول مرة أخرى هذا مكانك ..فاسترح..
للحزن تنسيم كترتيب الصباح على ضريح الشمس
وللكذبة الأخرى مضت ترنيمةٌ أحلى.
لا ماء يثلج جلدك الممسوك من أقصاه
لا خرق في تلك الحكاية يرجى..
لتنتفض الحياة بوجه فقرك
والظل المخيم والهباء..”
كل هذ الزخم الرمزي الذي لا يخلو من صوفية حاضرة في ذاكرة الشاعرة العاشقة، يجعلنا نسأل في أي مدار تسير وهي تصهرنا في حالة “زمكانية” تسيل منها بغنج واقتدار في آن معاً.
ولا ننسى جزالة الكلام وكنه المفردات وتمترسها خلف تلال الانزياح الصوري والمهارة العالية في انتقاء مفردات شغفها تارة وخربشاتها على دفاتر وجدها تارة أخرى.
تتفرد زينب حسين(أنثوياً) بالزخم والمهارة.. وهي التي بنت لنفسها مملكة معرفية استندت فيها الى دراستها الأكاديمية.. وشغفها برسم ملامح جديدة تعيد ألق القصيدة الذي لا يخبو وميضها.
كل هذا الجمال في بوحها وما ترمي إليه عمداً، يحرك في مياه ترقبنا انسياب الروح وهي تترك لنا فسحة للتأمل لتروي ضلالنا من لعنة الذاكرة.. فتقول:
“وغاية الصوم.. الطواف بماء دُرك…”
يحاول الشعر في كل مرة أن يلوى الروح في قدّ القصيدة بحسب الشاعرة.. ولكنها تتمسك بقول نوفاليس “الشعر يداوي الجراح التي يسببها العقل..”.
وهنا، تتموضع (الذات) في أسئلة المجموعة بكل تجلياتها المحمّلة والمخصّبة بإرث معرفي و”طبولوجيتها” الممتدة في تماثلات قصدية تعيد ألق اللحظة بكل عنوانيها وتمنحها مفاتيح المجاز تأكيداً عفوياً على مساحة الرمز والدال والمدلول جملة وتفصيلاَ كي نستوحي ونستكشف شلالات الضوء المنسابة من قلب القصيدة والمتدفقة بشهوة الصفصاف.
تقع المجموعة الصادرة عن دار سوريانا الدولية – دمشق- في 128 صفحة من القطع المتوسط..

رائد خليل

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *