هل تعتبر زيادة سعر البنزين أمراً منطقيّاً؟!

ما تزال سورية تنتمي إلى فئة أرخص عشر دول في تسعير مادة البنزين، هذه العبارة التي سأستهلّ فيها عرضاً منطقياً على خلفية ارتفاع سعر المادة اليوم..

في التفاصيل، تشير الأرقام العالمية إلى أن متوسط سعر ليتر البنزين يقدر بحوالي (1.20 دولار أمريكي) أي حوالي 3000 ليرة سورية، بسعر البنك المركزي (2500) للدولار، وتعود فروق أسعار البنزين في الدول المختلفة إلى الدعم الحكومي للبنزين وحجم الضرائب، فجميع الدول في العالم تشتري النفط بالأسعار ذاتها، ولكنها فيما بعد تفرض ضرائب مختلفة، ما يؤدي إلى اختلاف أسعار التجزئة للبنزين.

إلا أن الوضع في سورية، كما نعلم جميعاً، يُعالج بطرق أخرى، نتيجة لعدة عوامل لا بد لنا من التذكير فيها، ففي شمال شرق سورية، حيث تتركز معظم الثروات النفطية والآبار السورية والتي تحتلها الولايات المتحدة الأمريكية ومرتزقتها، فتسرق نفطها وتهربه، وهذا مثبت بالدلائل، كما تعاني الكثير من مناطق شمال البلاد من الاحتلال التركي وأعوانه، ما يعني فقدان الثروة النفطية المحلية، إضافة إلى أن سورية تعاني من عقوبات أحادية الجانب وحظر اقتصادي ما يعني أن التوريدات النفطية لن تصل إلى سورية، إلا عبر التحايل أو المخاطرة، وهو ما شهدناه مرات عدة مع كل اختناق بسبب عدم وصول التوريدات، كما أن عمليات الدفع مستحيلة في ظل العقوبات الاقتصادية، فتسديد قيمة المشتقات النفطية جانب آخر من معاناة تأمينها، وبالتالي، كل تلك العوامل ستزيد من أعباء النقل والحصول على المادة، وبشكل منطقي ستزيد من تكلفة الحصول عليها، ومع ذلك ما تزال سورية ضمن العشر دول الأقل تسعيراً للمادة وهي تباع بحوالي نصف ثمنها العالمي.

من جهة أخرى، ولو نظرنا إلى مسوغات صدور القرار، دون تحليل، بل كما جاءت على لسان الحكومة، وحديثها عن هدف القرار المتمثل بالتقليل من الخسائر الهائلة في موازنة النفط، وضماناً لعدم انقطاع المادة أو قلة توافرها، سنجد أن هذا المبرر منطقي، فيما لو وضعنا أنفسنا مكان الحكومة.

في المقابل، لا بد من أن تكون لدى الحكومة تدابير سريعة لردم الفجوة الكبيرة الحاصلة بين مستوى دخل الفرد (الموظف)، وبين الارتفاعات المنطقية للأسعار، وبين ذلك الدخل والارتفاعات غير المنطقية الناجمة عن الاستغلال والجشع، لتكون تلك التدابير على المبدأ ذاته، لتضع الحكومة نفسها مكان المواطن الموظف، فكيف له أن يتدبر أمر حياته وعائلته بالأجر الحالي؟!

قد يتساءل البعض لماذا تحدثنا عن أجر الموظف ويقول: هل كل الناس موظفون؟! ماذا عن المواطن غير الموظف؟!

وهنا نميّز بين عدة فئات، منها من هم أصحاب مهن حرة أو موظفو القطاع الخاص، وهؤلاء ترتفع عائداتهم مع كل ارتفاع في أسعار المشتقات النفطية لكون التسعير يرتبط بتكاليف الحياة والإنتاج، وينعكس ذلك على ما يقدمونه من سلع وخدمات، وفئات أخرى من غير العاملين في الدولة أو القطاع الخاص، وهم من معدومي الدخل غير قادرين على العمل، أو ليس لديهم معيل، فهؤلاء يجب أن تكون هناك مسؤولية مجتمعية وحكومية تجاههم، ينبغي النظر لهم والبحث عنهم وإيجاد الحلول الكفيلة بحفظ حياتهم الكريمة، وتأمين الحد الأدنى من متطلباتهم.

أخيراً، لا بد أن نتوجه للتجار وكبار المنتجين بأن تبقى ضمائرهم حيّة وأن يتكيفوا مع الارتفاعات الحاصلة بما لا يسبب لهم الخسارة، وبما لا يسبب للمواطن أعباء تفوق استطاعته في الوقت ذاته، كما أن الرقابة الحكومية والمجتمعية لا بد أن تكون حاضرة بشدة، خاصة في هذه المرحلة التي لا بد ستتحول معها الأحوال إلى الأفضل، وهو ما نسعى له جميعاً لتجاوز الأزمات، والانتصار على الذات وعلى العدوان الاقتصادي.

 

بلال ديب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.