ثقافة وفن

“قانون ولكن”.. مرة أخرى بعد 20 عاماً

 

تعيد واحدة من القنوات الفضائية المحلية، عرض مسلسل “قانون ولكن” -ممدوح حمادة- رشا شربتجي، وهي فرصة لعرض أسباب جودة هذا العمل، وما يجعله صالحاً للمتابعة بعد عشرين عاماَ على عرضه للمرة الأولى.

يعرض “قانون ولكن” لجملة من المشاكل التي يعاني منها المجتمع المحلي– كان وما زال- وبأكثر من منحى، المنحى الوظيفي –البيروقراطية، الفساد الإداري، الفساد الوظيفي- والمنحى الإنساني بما يتفرع عنه من مشاكل جمة، كالفساد الأخلاقي، وكيفية الوقوع تحت سطوته بضغط هائل من الحالة الاقتصادية التي يعاني منها الناس، بربط ذكي بين الإنساني والوظيفي، وذلك من خلال مجموعة من الشخصيات المرسومة تفاصيلها ببراعة، والمتواجدة بكثرة في مجتمعنا، من تلك الشخصيات: المسؤول، الموظف، الشاعر، الصحفي، المقاول، التاجر، وغيرها، إلا أن واحدة من أكثر الشخصيات المرسومة تفاصيلها بذكاء ومزاج عال، هي شخصية “ناظم أبو الخل” – شخّصها ببراعة كعادته الفنان بسام كوسا- وناظم أبو الخل مدير لأحد المؤسسات العامة، يظهر في بداية العمل مثالاً للمسؤول الأمين، الأخلاقي، النزيه والشريف، إلا أن هذا الحال سيتغير، فما ستبديه الأيام والظروف، أن تلك النزاهة والشرف، ليس الرادع الأخلاقي سببهما، بل الخوف، وهو –أي الخوف_ ما إن يخرج من المعادلة، حتى تتحول هذه الشخصية إلى شخصية مضادة تماماً، وكأنهما شخصيتان منفصلتان.

يضبط الخوف من السجن، من الفضيحة، من تشوه السمعة، إيقاع حياة “ناظم أبو الخل” سواء الشخصية أو المهنية، فهو ليس فاسداً حتى تسمح الظروف بذلك، وهو ليس صاحب ميول غرائزية متقدة، حتى تسمح أيضاً الظروف الاقتصادية بذلك، ولتظهر الشخصية الوادعة المسالمة، المنضبطة أخلاقياً على المستوى الاجتماعي وعلى المستوى الوظيفي، كالغول المتربص حتى تحين الفرصة المناسبة، لينقض على كل الأعراف والقوانين، مفترساً ما يصادفه، بشراً كان أو حجراً، فالرجل الذي قضى حياته يمارس الاستقامة والنزاهة، مدعياً الفضيلة في سلوكه الاجتماعي والمهني، سيكشف عن أنيابه السامة عندما يأخذ “الضوء الأخضر”، مظهراً وجهه المرعب وطمعه الذي لا يعرف الشبع والاكتفاء من أي شيء!

في واحدة من حلقات العمل، تصفه زوجته “هدى” – شَخصّتها الفنانة مها المصري-بما يلي: (ناظم بيطلّع بالأرض مو من باب الخجل، هو بيكون عم يفكر بشي بيوطّي الراس) فعوض الزوجة الواحدة، يتزوج ناظم أربع زوجات، وعوض البيت الواحد يصبح مالكاً للكثير من الفلل والعقارات، وعوض المشروع، يصبح رأسمالياً نهماً بلا حدّ لرغبته في التملك ولشهوته في السطوة، وكل ما يقوم به من فساد وإفساد، مغطى قانونياً، فهو بعيد عن المسؤولية القانونية، التي يستطيع جعلها ملقاة على عاتق غيره من الموظفين الطامعين بتحسين دخلهم وحياتهم، فيمضون في لعبته إلى ما لانهاية، حتى أهل بيته لا يسلمون من أذاه وخبثه، فناظم أبو الخل ومن كان على شاكلته، يعملون على تفريغ الأخلاق من مضمونها الحقيقي، وهم من أهم أسباب الفساد الاجتماعي والوظيفي المخرب والمهول، وهذا ما استطاع الكاتب تقديمه بذكاء من خلال هذه الشخصية المعقدة في تركيبتها النفسية.
يقدم العمل أيضاً مقطعاً عرضياً لمجموعة من الشخصيات السلبية، منها الشاعر المدعي- شّخصّها الراحل نضال سيجري- الذي يسطو على نتاج الغير، ليوظفه في خدمته، أيضاً شخصية العاشقة التي توظف مشاعرها بما يعود عليها بالمنفعة، فتارة هي حبيبة الشاعر، ومن ثم تصبح حبيبة الصحفي المسؤول عن القسم الثقافي في أحد المنابر الصحفية، وغيرها من الشخصيات المؤثرة والمتأثرة في هذا المناخ العام السائد، من انعدام الأخلاق الذي تؤدي إليه الظروف الاقتصادية القاسية.

“قانون ولكن”، عمل درامي تلفزيوني من ثلاثين حلقة، استطاع تطوير ما أتى عليه كّتاب سابقون في رصد المثالب الاجتماعية والمهنية، مثل الراحل محمد الماغوط، وأيضاً في العديد من لوحات “مرايا” للفنان ياسر العظمة.

 

تمّام بركات