ثقافة وفن

الشعر النبطي السوري.. العفيدلي أنموذجاً 

 

ما إن تفتحت عيناي على تذوق الشعر الشعبي وقصائد المحكي التي تشربت وتعشقت بعاداتنا وتراثنا وتقاليدنا، حتى كانت البداية مع القصيدة الخالدة ( الريل وحمد) للشاعر الكبير مظفر النواب.. وهي القصيدة التي يجمع  النقاد عليها، إذ تعد نقلة نوعية كبيرة في عالم الشعر المحكي شكلاً ومضموناً بوزنها وبعروضها وبكلماتها وبموضوعها.

وقبل كل ما تقدم، فقد سافر الفنان الكبير ياس خضر بكلماتها على امتداد مساحة الوطن العربي، فأطرب الجماهير العربية بأغنية استل كلماتها من نفيس قصيدة النواب، فكانت علامة فارقة في خارطة الغناء العربي عامة والعراقي خاصة، ويقول في مطلعها:

( مرينا بيكم حمد.. واحنا ابقطار الليل.. واسمعنا دك كهوة.. وشمينا ريحة هيل.. يا ريل صيح بقهر.. صيحة عشق ياريل..).

مرّ زمن.. وتعددت المنازل والأسفار وتغيرت المشارب والاتجاهات وكثرت الروافد واشتقت مدارس ووضع منهاج، حتى عدت إلى سكة الشعر الشعبي متذوقاً وعاشقاً لتجربة شعرية حفرت اسمها في قاع الفرات وضفافه الخالدة..

شاعر لا يشبه إلا نفسه، وجد دون سابق موعد مع القصيدة، فكان الوفي لرمل صحرائه ولبحر رمله الإيقاعي في ديوانه الشعري الأول الذي حمل عنواناً إشكالياً توصيفياً توجيهياً (مصور بالعشا) في رسالة أرادها الشاعر عبد الكريم العفيدلي منطلقاً في توصيف الأمراض الاجتماعية التي سادت وتمددت في العلاقات والعادات والتقاليد التي نشأ عليها، ليجدها غريبة في بيئته وقبيلته ووسطه القبلي، مذكراً بالأسس والقيم التي تعطي الكرم والوفاء وإغاثة الملهوف حقها الطبيعي دون بهرجة ورياء وإعلان يحمل طابع النرجسية والدونية.

الشاعر عبد الكريم العفيدلي في مدونته الشعرية النبطية الجديدة، يقدّم رداً عملياً على الذين يتساءلون عن الشعر والشاعر وعن المكان والزمان، عن الوزن والقافية، عن المرأة وتعبها اللذيذ.. عن الرجل ومكانته الطبيعية في زمن لا نحسد عليه.. إذ تعددت فيه الهجرات والتغريبات وتفننت الحرب في صبغ أيامنا بلون واحد.. هذا اللون الذي أراده العفيدلي قوس قزح يعيد الفرح والربيع الحقيقي لمرابع الروح قبل الأمكنة، وما تحمله من وجد يعود بالذاكرة إلى منازله الأولى.

يقول في قصيدته التي جاءت تحت عنوان: غربة فكر

(ما فادني حلمي وصهوة جوادي

ولا فادني بيض النوايا السليمة

في داخلي طفل الأماني ينادي

يقتات بوح الذكريات القديمة

يا صاحبي جرح  يضمه فؤادي

أعيا فلاسفة العصور القديمة

غربة فكر ماهي ترى شي عادي

والمشكلة في مجتمعنا ظليمة!).

يعد العفيدلي واحداً من الشعراء النبطيين، ومن أفراد مجتمع له ثوابت يتمسك بها، ويرفض أي خروج منها، وهناك مكونات ثقافية تتصل بعاداته وتقاليده، وبتفاصيل حياته اليومية، فهو السفير والمحامي والقاضي وهو الناصح والحكيم والمرجع، وهذا ما تجسد لنا في قصيدته التي حملت عنوان الديوان، إذ يقول:

( أنا افتخر في كل طيب من الناس

ش عاد لا كان ابن عمي وعضيدي

علمه يشرفني و به “رفعة الراس ”

و هذي سلوم  بيننا يالعبيدي

والطيب ما هو جارية عند نخاس

تعرض على التجار واللي يزيدي

لا تغرك الدنيا تراها على انكاس

واللي حفظ نفسه تراه السعيدي).

فمن خلال هذه النصوص والنماذج التي ضمتها أفكار قصائده نلاحظ توظيف الرمز السردي المرتبط بالبيئة بشكل موفق مع الحفاظ على منسوب الاشتقاق واستحضار التراث دون المبالغة في إظهار ثقافة الشاعر التي تقاطعت مع مهنته فبقي علو الكعب عند العفيدلي للموهبة.

يقول في قصيدة (نذر الرجال):

ما هو بقصيدة من بديعات نزار

ولا هو حديث للإمام البخاري

الوطن نذر رجال شبابة النار

صبوا لأجل يوفوه دم وعباري).

إذاً هذا هو عبد الكريم العفيدلي الشاعر والإنسان، وقبل كل ما تقدم ابن البيئة البار في عاداتها وتقاليدها من خلال شعره النبطي الذي أصبح المعبر لتاريخ البلد وعاداتنا وتقاليدنا، وهو فعل لا قول (روح المكان) الذي تجسد في ديوان الشاعر عبد الكريم العفيدلي الشاعر والفارس ليقدم النموذج الصحيح لنمط الكتابة الشعبية في البادية والجزيرة السورية.

 

علي الدندح