ثقافة وفن

“القطار الأزرق”.. سرديّة الحرب بأصوات متعدّدة وروح واحدة

إذا اتّفقنا على أنّ العمل الإبداعيّ الأدبيّ فرديّ بطبيعته، كما يراه ويريده أغلب النّقاد والمفكّرين، حينها يصبح من الصّعوبة في حال ما تبرير تشاركيّته، فما يميّز أيّ عمل إبداعيّ، وخصوصاً الرّواية، تلك الخصوصيّة الّتي يتفرّد بها صاحبها دون أن يشاركه أحد بها، فكيف إن كانوا سبعة كتّاب؟!..

ولكنْ، ماذا إنْ وحّدتهم المعاناة، معاناة الحرب بكل مآسيها وأوجاعها حين تخترق العمق فلا تترك فيه سوى أصداء أصوات تقاوم، تسند بعضها، توحّد رؤاها، وتحاول لملمة ما تبقى من أرواحها وبعثها من جديد، ولو بهيئة كلمة تواجه الألم الذي كما استطاع أن يولّد الإبداع، استطاع أيضاً أن يوحّده، في سبيل خلق أمل يكابد الوجع المشترك الذي تجسّد بحكايا لا تخلو من صور ومشاهد ومن انتظار في محطّة قطار ربّما سيأتي..

جمال الزعبي، سهيل الذيب، عماد نداف، فاتن ديركي، محمد الحفري، محمد الطاهر؛ مقبل الميلع، سبعة كتّاب حملوا أحلامهم وأرواحهم وأقلامهم ورحلوا إلى حيث يكون للكلمة دورها في توثيق مرحلة تعتبر الأصعب، ليجسّد كلّ منهم حكاية قد تتقاطع وتتشابه مع حكايا كلّ منا وكلّ من عاش الحرب..

تبدأ الرواية الحلم “القطار الأزرق” من المحطة التي يلتقي فيها الكتّاب، أبطال الرواية، تباعاً كل باسمه، ينتظرون قدوم القطار، الذي يتأخر كثيراً، ليحتجزوا داخل المحطة دون التّمكن من مغادرتها نتيجة اشتداد الصراع الدائر بالقرب من المحطة وسقوط القذائف المستمر، ثم تبدأ معاناة من نوع آخر تتكشّف فيها أسرار وقصص شخوص الرواية، فلكلّ منهم حكاية لا بدّ أن تروى، ويبقى الانتظار الثيمة الطاغية من خلال البحث عن فسحة أمل عبر قطار أزرق يعبر بهم نحو الأمان الذي ينشده كلّ منهم..

يشكّل العنوان مفتاحاً دلاليّاً للولوج نحو عوالم الرواية، حيث تعبّر رمزيّة القطار عن الأمل المنشود للخروج من هذه العتمة والعبور نحو اللاّحرب واللاّخوف، وللّون الأزرق دلالاته، فهو أتى بلون البحر والسماء، لون النقاء والسّلام، كما تمثّل المحطة مرحلة الانتظار التي تعيشها شخوص الرواية وكل من عاش الحرب بانتظار نهايتها، مع تركيز الضوء على شريحة المثقفين الذين تعمّدت الرواية سرد معاناتهم خلال الحرب على سورية، والتأكيد على دورهم، ووصف بعض أحوالهم وسرد قصصهم ورؤاهم، كما أنها لم تغفل دور المرأة، حيث يأتي الصوت المثقف الأنثوي الوحيد في الرواية ليعبر عن قوة المرأة السورية في الحرب وقدرتها على تجاوز الصعاب والمحن..

استطاع (المكان- المحطة) أن يتسيّد عناصر الرواية، ففيها اللقاء، حيث تجتمع الشخصيات ويتم التعارف، وفيها تتصاعد وتيرة الأحداث لتصل ذروتها ثم تفضي إلى حلم قيد الانتظار، ومنها انتقلت الشخصيات نحو أماكن أخرى، عبر سرد كل شخصية حكايتها الخاصة بمكانها وزمانها، ومن ثم العودة إلى مكان الحدث الأساسي، المحطة، برمزيتها وبكل دلالاتها..

رغم اشتراك سبعة كتاب في تأليف رواية واحدة، إلا أنّ من يقرأ الرواية يرى أنّ الأسلوب متوازن لا تفاوت فيه، هناك روح واحدة في العمل، رغم تعدد الأصوات، ربما لأنها المعاناة الواحدة، ولعلّ الأمر، وكما عبّر عنه المؤلفون، في تصريحات لهم، تشكيل ورشة للكتابة استمرت نحو عام كامل كانوا يجتمعون من خلالها مرتين أو ثلاث مرات أسبوعياً لمزج الأفكار ويتولى واحد صياغتها في أسلوب وروح واحدة، وغالباً أن يكون الراوي هو من تولى المهمة.

يؤخذ على العمل أن الكتاب منحوا أسماءهم الحقيقية لشخصيات الرواية، ما أضعف مساحة التخييل لدى المتلقي، ليضيع بين الشخصية الواقعية والشخصية المتخيلة، خاصة أن المؤلفين أوضحوا أن الشخصيات خيالية ولا تعّبر عن الشخصيات الحقيقية للكتاب، كما يؤخذ على الرواية أيضاً، اجتماع سبعة كتاب في محطة واحدة في صدفة غير مقنعة.

على الرغم من أنّ لكلّ كاتب من الكتّاب السبعة تجربته الخاصة والمتفرّدة في التأليف، إلا أنّهم وفيما يعتبر خوض مغامرة وتحدّ، أرادوا خلق عمل مختلف، وكان لهم ذلك، فالرواية تعتبر إشكالية في نوعها من حيث التأليف المشترك، إلا أنّ مضمون العمل، وطروحاته، وآلية بنائه، تجعله تجربة أدبيّة تستحق أن ندخل عوالمها ونعيش أحداثها.

 

هديل فيزو