الرّسوم المتحرّكة.. سمومٌ فكريّة تُبثّ للطفل وعبثٌ ببنائه النفسيّ والسلوكيّ

 

إلى الآن ما تزال أفلام الكرتون القديمة تحتلّ الجزء الجميل في الذاكرة، أفلام عشنا معها أحداثها وتعايشنا مع شخصيّاتها، وما نزال إلى الآن محتفظين بأدقّ تفاصيلها، فهي استطاعت، رغم قلّتها، أن تترك أثرها الذي لا يُمحى بتقادم الزمن، في المقابل، هناك اليوم  الكثير من الأفلام التي تضجّ بها قنوات الأطفال، والتي يغلب عليها طابع الفوضى والعبثيّة والصخب وتسودها الأشكال الغريبة والمنفّرة، والحوارات التي لا تحمل أيّ مضمون فكريّ أو قيمة جماليّة، فتسبب التوتّر والانفعال، بدل أن تحمل المتعة والفائدة.

ولا يخفى على أحد الأثر الذي تتركه هذه البرامج في بناء شخصيّة الطفل وتوجيه سلوكه، خاصة أن الأطفال يتعلّقون بهذه البرامج وشخصياتها الكرتونية منذ سنواتهم الأولى، ما يعمّق من أثرها في كل ما تقدمه من أفكار وأشكال وحكايات..

أمام التفاوت الكبير بين الأمس واليوم، وربّما الغد، هل استطاعت الرسوم المتحركة أن تحاكي خيال الطفل بالفعل، أم أنها تأخذه لعوالم أخرى لا تليق بطفولته، ماذا عن جودة النص والحكاية، وكيف تؤثر في بناء شخصيّته..

 

صراعات عنفيّة وإبهار بصري

بات من النادر أن تحمل الرسوم المتحركة الحالية قيماً معرفية أو أخلاقية كما كانت في السابق، على حد تعبير كاتب الرسوم المتحركة والفنان المتخصص في رسومات الطفل، رامز حاج حسن، الذي أوضح أن الرسوم المتحركة الحالية تعتمد على الفعل الحركي والصراعات، حتى العنفية منها، والإبهار البصري العالي في استقطاب الطفل، وهذا أمر سلبي جداً، ويحمل في طياته الكثير من هدم المسلمات التربوية والاخلاقية لأطفالنا، أما الإيجابيات قليلة لغياب الانتاج المحلي الخاص بهويتنا وأخلاقياتنا، ومن حيث تناسب الأعمال المقدمة مع الأطفال، أشار حسن إلى أن كل عمل فني بالتأكيد يحاكي جزءاً من خيال الطفل المتلقي، لكن الجوهر يكمن في تضمين هذا الفعل الفني القيم والحكم والمعارف للطفل..

 

الطفل يتّخذ الشخصيّة الكرتونيّة قدوة

وعن الأثر الذي تتركه الشخصيات الكرتونية في الطفل أكدت رانيا القادري، متخصصة علم اجتماع، أن الطفل وخاصة خلال سنواته الأولى، يتأثر بالشخصيات الكرتونية عموماً، إيجاباً أو سلباً، وللأسف فإن بعض الشخصيات الكرتونية الحالية التي تعرض على مختلف القنوات الموجهة للطفل، هي شخصيات سلبية، ولا بد أن تؤثر به، فيتخذ هذه الشخصيات قدوة له ما ينعكس على سلوكه الاجتماعي ويقلّدها بحركاتها وانفعالاتها، دون وعي وإدراك منه ومن أهله..

كما أوضحت القادري أن مشاهد العنف التي تتضمنها هذه البرامج وتكرارها وكثرتها تجعل الأطفال يستسيغون تلك الصور ويعتادونها، ما ينعكس على شخصياتهم ويجعلها أكثر عدوانية وعنفاً..

 

ماذا عن الفكر والقيم

الرسوم المتحركة القديمة كانت تحمل فكراً أشمل وتربية وخلقاً، إضافة إلى قيم البطولة والفداء والتضحية، حسب تعبير حاج حسن، الذي أكد أنها كانت تستند في مجملها إلى الأدب العالمي الرفيع والحكايات العالمية ذات القيم الجمالية في النص قبل أن تتحول لرسوم مدهشة، أما في الفترة الراهنة فإن أشدّ ما يلح على ذهنية المنتجين هو الربح وتجميع المشاهدات الأعلى، فنرى أن الإبهار البصري هو سيد الموقف، بعيداً عن تحري جودة النص والحكاية..

 

المطبخ الخارجي لن يراعي توجّهاتنا التربويّة

هناك فكر وفلسفة ما يطرح وراء كل عمل فني مقدم للطفل، حسب حسن، فإن أردنا أن نقيّم مناسبتها لمجتمعاتنا العربية وأخلاقياتها وأعرافها، فإنها بالتأكيد لن تراعي هذه النقاط، مادامت تنتج في المطبخ الخارجي عن بيئتنا، أي عمل حتى لو كان نبيلاً في قضيته لن يناسب بشكل كامل توجهاتنا التربوية لأطفالنا، فهو، أي العمل، ابن بيئته وبيئة مبدعيه الذين كتبوه ورسموه وأخرجوه، بطولتنا في الكثير ومعظم الحالات هي محاولة دبلجة وتعريب هذه التجارب وقص وحذف وتشويه المنتج ليصبح طيعاً لذائقتنا وقواعدنا، بينما الأحرى أن نتجه لإنتاج مانريد بأنفسنا..

 

الكثير من الرّسائل المسمومة دون رقابة

فلسفة الشكل واللون لها بحوث كثيرة في البلدان التي تنتج الرسوم المتحركة، وفقاً للفنان حسن، فلكل شكل ولباس ولون وطبيعة تحريك هدف، وبعض هذه الأعمال، للأسف، تطرح على قنواتنا العربية والأخيرة تعرضها دون رقابة فكرية على الكثير من الرسائل المسمومة- بقصد أو بغيره- داخل تلك الأعمال، ولنا أن نشاهد كمية الدم والقتل والعنف والجنس التي تمر عبر بعض الأعمال الكرتونية ولا ينتبه لها مقص الرقيب، والأدهى أن يكون الرقيب متعمداً في التغاضي عنها..

كما أشار حاج حسن إلى أمر محمود بدأت به بعض القنوات العربية، حيث توجهت لإنتاج أعمالها الخاصة بها وببيئتها، منطلقة من خصوصية المجتمع الذي تنتمي له، بعاداته وتقاليده وأناشيده وأطره المعمارية والزركشية المرافقة لكل شخصياتها، وهذا أمر يجب أن يعمم على كل قناة توجه بثها للطفل العربي..

 

لا بد من أعمال تليق بالسادة السورييّن الصّغار

الرسوم المتحركة في سورية يتيمة ومهيضة الجناح، على حد تعبير حاج حسن، الذي أكد امتلاك سورية قامات فنية من شباب وكوادر مؤهلة للقيام بصناعة رائدة في هذا المجال المهم، لكن ما ينقص هو فتح أقنية الدعم والرعاية لهذه الكوادر والشد على يدها لتوطين الرسوم المتحركة في سورية وصنع أعمال تليق بذائقة السادة السوريين الصغار..

 

 تنظيم وحوار

وعن الخطوات التي يجب على الأهل مراعاتها، فقد أشارت القادري إلى أهمية تنظيم مشاهدات الطفل للرسوم المتحركة وتحديدها بمدة زمنية معينة يومياً مع الاهتمام بالمحتوى المشاهد بحيث يتناسب مع عمر الطفل، وحرص أحد الأبوين على حضور هذه البرامج مع أطفالهم، ومراعاة مناقشة كل أفكارهم والحوار معهم ومحاولة شرح بعض المشاهد والحركات الخيالية التي لا علاقة لها بالواقع والتي قد يتبنّاها الطفل ويقلّدها دون إدراك، كما أشارت إلى ضرورة ملء وقت فراغ الأطفال بالهوايات المفيدة، وتطوير مهاراتهم الفردية من خلال الأنشطة والنوادي المتخصصة، مؤكدة أن الطفل أمانة في أعناقنا ومن ضرورات هذه الأمانة أن نرعاهم ونحميهم بأدق تفاصيلهم، ونقدم لهم كل سبل الحياة التي تليق بهم..

 

هديل فيزو 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.