السوريون والامتحان

 

عندما كانت والدتي تقول “لو أني أنا عم قدم الفحص، كان أريحلي”، لم أكن أعرف ماذا تعني تماماً بذلك، بل حتى إنني لم أفكر بها كعبارة ممكنة الحدوث، فأنا من كان يمتحن في الفحص، وأنا المتعب من ساعات الدراسة الطويلة، وأنا القلق من النتيجة، لكن الأيام وكعادتها، تضع ختماً بالموافقة الأبدية، على كل ما تقوله الأمهات، وها أنا اليوم من راح يخبر هذه العبارة لابنته التي تمتحن في الشهادة الإعدادية، وهي مثل أبيها تظن، أنها المتعبة والمرهقة، لا أنا وأمها معاً!

العبارة السورية الشهيرة، التي سنجد من يقولها ويشعر بها فعلياً، في كل بيت سوري تقريباً، هي تلخيص وجودي نقي، لحالة القلق والتوتر التي نحياها كأهل، لطالب يمتحن في فحص الشهادة الدراسية، ليس خلال فترة الامتحان فقط، بل خلال العام الدراسي بأكمله، ثمة شعور يتعاظم بالمسؤولية الإنسانية أولاً، والأهلية بمقام قريب، تجاه الأبناء ومستقبلهم، مع كل يوم يدنو من ساعة الصفر -الامتحان-، وفي المرحلة التي تسبق ساعة الصفر، يمكن القول إن هذا الشعور يصبح مرهقاً، فهو لا يغادر ولا في المنام، عدا عن كونه يصادر كل شعور يحاول أن ينافسه في الاهتمام، حتى شعور التعب الشديد، وهكذا وجد أهلنا ووجدنا أنفسنا، نتمنى أن نكون نحن من نمتحن عوض الأبناء، لأن ذلك “أريح” نفسياً وجسدياً لنا، وربما لأن الأهل، يتمنون في قرارتهم، أن يخوضوا عن أبنائهم، كل امتحان من امتحانات الحياة، ليجنبوهم التجارب المرهقة والصعبة مهما كانت.

السوريون اليوم يمتحنون كلهم، كل العائلة التي يمتحن أحد أبنائها، يمكن اعتبارها تمتحن معه أيضاً، امتحانها أخلاقي وإنساني في المقام الأول، يحض على العلم والتحصيل الدراسي، حتى في الأزمنة التي تدهورت فيها القيمة المجتمعية والإنسانية، ولا ننسى التكلفة المادية التي تقصم الظهر حرفياً، لهذا الحض، والتي يقطع فيها الأهل عن فمهم كما يقال لتأمينها، خصوصاً فيما نمر به، من أزمة اقتصادية خانقة، هذا وغيره يؤكد دائماً، أن ثمة أولويات إنسانية وأخلاقية، لم تتغير عند السوريين، سواء في السلم أو في الحرب، الشدة أو الرخاء، وفي مختلف الظروف، وهي حرصهم على أن ينال أبناؤهم العلم مهما تعسر ذلك، مهما كلفهم الأمر وعلى مختلف الأصعدة، خصوصاً الفقراء منهم، ولهم في ذلك فلسفتهم الخاصة، فلا ثروات طائلة يتركونها للأبناء، لذا فهم خلال حياتهم يحرصون، أن يوفروا لهم، وبكل ما يملكون من استطاعة مادية ونفسية، معظم أسباب النجاح في سلكهم طريق العلم، الذي يؤمنون بأن لا نجاة للإنسان دونه، البارحة واليوم وغداً.

تمّام بركات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.