التعميم والوجدان الجمعي

التعميم مناف للعلم وللقواعد العلمية، وهو في معظمه اعتباطي، لكنه موجود في المجتمع وعلى ألسنة الناس، وهذا الوجود لم يأت من الفراغ، بل إن له أسباباً موجبة، فالمجتمع عموماً لا يتبنى منطق التعميم إلا بعد التجربة، فنحن لكي نطلق ولو لأجل المثال “تعميماً” ما، كأن نقول مثلاً: سائقي سيارات التكسي (نصابون)، فهذا سببه أننا وجدنا أن القسم الأعظم منهم يلجأ إلى زيادة ربحه بطرق غير مشروعة، وتناقل التجارب الشخصية وتشابه نتائجها، أنتج “تعميماً” كالذي ذكرناه، فهو لم يخلق من العدم!، هذا مثال واقعي وموجود اليوم بقوة، عن تعاطي الناس مع منطق التعميم، حتى إنك ستجد من السائقين أنفسهم من يعترف بهذا ويقول لك وهو يبرئ نفسه: “والله يا أخي شو بدنا بالحكي أغلب شوفيرية التكاسي ملعبين” إذاً التعميم رغم مخالفته للقاعدة العلمية والمنطقية إلا أن له أسباباً وموجبات وهو قائم عند الناس، ومنهم أنا مثلاً، فأنا لا أدري حقيقة ما هو الشيء الذي كنت مستنداً إليه في قرارة نفسي فيما مضى أنا والكثير من الناس على كامل جغرافيا الوطن العربي، حتى كنا مقتنعين، وبثقة شبه أكيدة بأن المثقف العربي عموماً والسوري بشكل خاص، صاحب دور فعّال في مجتمعه، وربما في مجتمعات الآخرين، وتعميمي الخاطئ عن كون “المثقف العربي”– بما يعني هذا المصطلح من دلالة وتعميم- صاحب دور فعّال في مجتمعه، لم يكن وقفاً علي أنا فقط، بل على معظم الناس الذين صدقوا أيضاً أنهم أصحاب دور وتأثير مهم وحاسم في مجتمعاتهم، هذا على الأقل ما نردد ليل نهار في وسائلنا الإعلامية العربية بمختلف أشكالها وألوانها وصنوفها، حتى “السعودية” منها، إلا أن ما جرى وما يجري في المنطقة العربية عموماً وسورية بطبيعة الحال من أحداث دامية ومروعة في كل جوانبها، كشف إلى أي درجة كان المثقف العربي والسوري– نسبياً طبعاً- غائباً في مجاهل أخرى بعيدة كل البعد عن الشارع والناس، والحال أن بوناً شاسعاً فصل بين الكثير من هؤلاء “المثقفين” وجمهورهم، وهذه العلاقة غير الأصيلة التي توهمنا وجودها وتخيلنا أنهم من خلالها يستطيعون التأثير على مجتمعاتهم، للذهاب بها نحو حالة تنويرية راقية كما يفترض أو كما كانوا يدعون بأقل تقدير، هي في الحقيقة ليست سوى علاقة هشة بين قارئ هاو للجرائد والجرائد لا أكثر، حتى إن العديد من النصوص والكتب التكفيرية، أثبتت كما تخبرنا وقائع اليوم، أنها كانت أقدر على جذبه من الكثير من نصوصهم وأفكارهم التي رفعوها.

لكن ثمة عبرة في هذا، عبرة وحكمة ربما لم ننتبه لها بعد، وهي أنه من الجيد حقاً اليوم ألا يكون للكثير من أهل فكر ومثقفي هذا الزمان أي أثر يذكر في مجتمعاتهم، فبالله عليكم المفكر أو المثقف سواء العربي أو السوري، الذي هلل و”زلغط” للعدوان الثلاثي على سورية، وكاد أن يقفز كالقرد من محله ولا يحط، وهو يمدح القتلة والمستعمرين والسلفة وأهل الجهل من مشيخات النفط لحفنة دولارات، مستعد لأجلها أن يبيع حتى أمه كما تبيّن، بالله عليكم أليس كون لا أثر يذكر له ولفكره- أياً يكن- بين الناس أو تأثير لنتاجه الفكري والثقافي في وعيهم، أفضل بألف مرة من العكس؟!، هذا ما تسميه العرب: رب ضارة نافعة!.

تمّام علي بركات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات