الدستور: السيادة والمبادىء والأهداف

الدستور في دولة كالجمهورية العربية السورية، وفي وجدان شعب كالشعب السوري هو أكبر من أن يعرّف تعريفاً قانونياً جامداً بحيث يكون هو “القانون الأعلى الذي يحدد القواعد الأساسية لشكل الدولة ولأسلوب نظام الحكم فيها وللعلاقة بين السلطات الثلاث والشعب، بين الحقوق والواجبات… إلخ”.

فالدستور في بلاد كبلادنا، وبالأصح في قطر كقطرنا، وعند شعب كشعبنا هو أكبر من هذا، وهو أبعد من السيادة بالرغم من أنها الحامل الأساسي له. فهو رسالة وطنية وأهداف قومية، هو مشروع وطني قومي تقدّّمي يحمل في طياته رسالة الشعب والأمة، ويحتضن أهدافهما ومصالحهما وحقوقهما.

فالتجربة الدستورية في الجمهورية العربية السورية، خاصة بعد الدستور الدائم للبلاد الذي تم إقراره بالاستفتاء الشعبي في 12/3/1973، والدستور الجديد /الحالي/ الذي أقرّ أيضاً بالاستفتاء الشعبي في 26/2/2012، تحمل في مسارها الغني والنشيط، عبر /14/ رحلة، التقاليد العريقة لجماهير شعبنا وأمتنا. ولعل هذه التجربة يمكن أن تكون البقية الباقية من صدى حركة النهضة والتحرر الوطني العربية ضد الاستعمار والصهيونية، والاستغلال أيضاً، هذه الحركة التي نحن اليوم أحوج ما نكون إلى إعادة بعثها وإحيائها وتوطيد روحها وجذوتها وإشراقاتها وإلهاماتها التي تكاد تخبو مع ضراوة الاستهداف الناجز.

إن شعباً وجيشاً وقيادة يسطرّون بتلاحمهم سرديّة الصمود الأسطوري في زمن عزّ فيه الصمود، وكثُر فيه التكيّف والتأقلم والهرولة والاستسلام والتطبيع، يحق لهذا الصمود، من بعض ما يحق له، أن ينجز دستوراً مطابقاً له، نابعاً من روحه، من تضحيات صانعيه الأبطال الشهداء البررة، والأحياء المقاومين الواقفين في وجه الريح العاتية على مرّ الأيام، ولن يقبل هذا الشعب بالمحصلة دستوراً ولا عرفاً ولا تقليداً، ولا حتى طرحاً يستظل فيه الخونة والمرتزقة والمتآمرون الذين راهنوا واستثمروا بالمنجز التكفيري المتطرف الإرهابي.

وإذا كان الدستور المزمع تتويجاً للمسار السياسي لحل الأزمة، فأي مسار سياسي هذا وحلب يقصفها بالأمس الإرهابيون بالأسلحة المحرّمة، وكذلك اتفاق إدلب لم يُنجَز، بل يشهد مزيداً من المراوغة والتعنّت والتهرّب، إضافة إلى ما يجري في شرق الفرات والذي صار عصيّاً على التصنيف بما ينطوي عليه من ألاعيب ومشاريع خبيثة…؟!.

فعادة ما تكون الحياة الدستورية تتويجاً لحالة الأمن والأمان المقترنة بالتسليم بالسيادة كضرورة وكشرط، وإلّا سيكون الوليد في هذه الحياة قزماً غير قابل للعيش والتعايش. ويبدو أن هذا هو قصد خصوم الدولة الوطنية السورية.

فقد أُريد للدساتير الناجمة عن العدوان على المجتمعات والدول العربية منذ اتفاق الطائف عام 1989، واحتلال العراق عام 2003، وما شهده الوطن العربي بعد 2010 حتى اليوم، ألّا تحمل مضامين عربية تحررية، وكان هذا صدى لتضعضع المشروع القومي العربي. ثم ازداد الأمر وبالاً، وصار الهدف ألّا تحمل مضامين وطنية جامعة تؤسس للاستقرار والوحدة الوطنية والمجتمعية، بل أن تنطوي على إقرار التسليم بأثر الانتماءات الضيقة غير الوطنية، ومراعاة العصبيات المريضة الممزِّقة لنسيج المجتمع الوطني، والضاربة للوعي وللهدف الوطني والقومي، فصارت الحالة الوطنية صدىً في بؤسها وهزالها للحالة العربية.

مع هكذا إرادة، والتي أنتجت هكذا دساتير تصبح مشكلتك أول ما تصبح مع ذاتك، فلا تستطيع مثلاً أن تنجز استحقاقات دستورية سواء في الحكومة أو البرلمان أو الرئاسة إلّا بعد مداولات متعددة الأطراف قد تستمر شهوراً تنشغل خلالها السلطات والمجتمع بمراعاة الانتماءات الضيقة وغير الوطنية على غرار ما نشهد في لبنان والعراق وغيرهما مما هو آت على الطريق… ويبدو أن هذا هو الهدف من أمميّة المسار السياسي لحل الأزمة في سورية سواء أكان الأمر في الدستور، أو في الانتخابات أو في غيرهما… وهذا ما يستحيل قبوله من الشعب السوري.

فالمضمون الوطني والعروبي والوحدوي والتحرري، أيضاً للأراضي العربية المحتلة، هو من المكوّنات الأساسية لعراقة الحياة الدستورية في سورية، ولمشرّعيها الأكفياء والوطنيين والعروبيين الذين استنجد بخبراتهم لصياغة الدساتير الوطنية عدد من الأقطار العربية.

إن الدستور الذي ينشده السوريون، وسيقرّونه بالتصويت عليه لن يكون فيه مفهوم السيادة “مرناً”، ولن ينطوي على “قضايا إشكالية مستدامة”، تكون صدىً لمحادثات متعددة الأطراف، فللسوريين تجربة غنية في صياغة الأدبيات الوطنية والعروبية المواجِهة بشكل مستدام للطروحات الطائفية والرجعية والناجمة عن الغزو الثقافي والسياسي والاقتصادي المعادي لمصالح الشعب والوطن والأمة. في الوقت الذي نجد فيه دولاً متقدمة لا تملك دستوراً مكتوباً حتى اليوم.

فدستورنا المنشود ستخطّه الدماء الطاهرة، وعرق الصامدين، وإرادة الوطنيين الشرفاء، ويقرّه شعبنا الذي لم ولن يكون إلّا وطنياً عروبياً يناهض التكفير والإرهاب والتحالف الصهيو-أطلسي الرجعي العربي.

د. عبد اللطيف عمران

aomraan7@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات