قمة سنغافورة: الحق الذي تدعمه القوّة

المفاوضات التي تدعمها مسبقاً القوّة هي التي يُراهن عليها، فالحكمة والصمود والشجاعة عوامل أساسية في التفاوض لاسترداد الحقوق. أمّا المفاوضات المقترنة مسبقاً بالتطبيع والاستسلام فلا تنتج إلا الذلّ والمهانة والتبعيّة.

فلا شكّ في أن قمّة سنغافورة التي عقدت أمس بين الرئيسين الكوري الديمقراطي كيم جونغ وون والأمريكي دونالد ترامب هي حدث يكاد يكون تاريخيّاً نظراً إلى استمرار توتّر الأوضاع الإقليميّة والدوليّة في شبه الجزيرة الكورية منذ ما بعد الحرب العالميّة الثانية، واللافت للنظر في تلك الأوضاع الإقليمية هو تمكّن الشعب والقيادة في كوريا الديمقراطية من الصمود والتحدي في وجه أبشع أنواع الاستهداف والضغط والتهديد، حيث تمكّن الرفاق في كوريا الديمقراطية من ضبط قواعد اللعبة والوقوف أمام الآخرين وجهاً لوجه.

استنزفت الإدارة الأمريكية كل ما بوسعها لإرغام كوريا الديمقراطية على الانخراط في سياسة المفاوضات القائمة على التبعية والاستسلام بعد التهديد والعقوبات، وكان الرد واضحاً وقويّاً: صاروخ بصاروخ وجندي بجندي.. إلخ، وحين أسفّ ترامب مؤخراً، وكعادته، بألفاظ الشتائم البذيئة ردّ عليه كيم الإهانة بالصاع صاعين، وكانت النتيجة أن وصف ترامب كيم قبيل القمة بـ “الموهوب جداً”، وبـ “المحاور الجيد جداً”، مع العلم أن كوريا لم تقدم جديداً في تعهداتها منذ 25 سنة.

لا تحتلّ القيم والأخلاق والقوانين مكاناً بارزاً في استراتيجية الإدارة الأمريكية، ولا الأحاسيس والمشاعر الإنسانيّة والحقوق والواجبات كذلك، والغرب هكذا هو عموماً، وعلى الشرق أن يعرف هذا وينطلق منه، من منطق وواقع القوة، القوة ولا شيء سواها، هكذا فاوضت شعوب الشرق إدارات الغرب: من الهند إلى فيتنام إلى إيران إلى كوريا الديمقراطية اليوم.

والآن هناك تساؤلات عديدة بشأن هذه القمة، وترقّب متواصل وحثيث لما بعدها، ولما سينتج عنها، وهناك أيضاً شكوك قوية وواسعة في إمكانية الالتزام بأهدافها المبدئيّة بالنظر لما يحيط بها من تشعّب العلاقات وتداخل المصالح، وحساسية التنافس في تلك المنطقة وعليها، ولما يمكن أن ينتج عنها في المجتمع الدولي. لذلك انتظرها الجميع بترقّب، وينظر إليها الجميع بترقّب أيضاً، ولهذا أسباب منها:

لا يكتسب الأمريكان في ميدان الخبرة والتجربة أيّة مصداقية ووفاء لا بالمعاهدات، ولا بالقانون الدولي، ولا بقرارات مجلس الأمن، وشواهد ذلك عديدة منها الانسحاب مؤخّراً أحادي جانب من الاتفاق 5+1 النووي مع إيران، ومنها نقل سفارتهم إلى القدس والاعتراف بها عاصمةً للكيان الصهيوني، ومنها أيضاً نقض اتفاقية الحد من الأسلحة الاستراتيجية مع الاتحاد السوفييتي السابق، ومع روسيا الاتحادية، أي اتفاقية ستارت 1 الموقّعة عام 1991 بين الرئيس السوفييتي ميخائيل غورباتشوف والأمريكي جورج بوش الأب، واتفاقية ستارت2، الموقّعة عام 2010 بين الرئيس الروسي ميدفيديف والأمريكي أوباما حيث نقضت الإدارة الأمريكية ستارت 1و2 .

ومنها أيضاً أن الرعاية الأمريكية لاتفاقات السلام، ثم الاستسلام في المنطقة كانت مقترنة بازدواجية المعايير وبالخداع والنفاق والضغط والابتزاز. وإن المرء ليتساءل عن سبب ذلك في هذه المنطقة «الشرق الأوسط» الحساسة من العالم والتي تعاني منذ عقود عديدة من التوتر وعدم الاستقرار والحروب والدماء والدمار، وخاصة مع بعض الدول العربية، ومع إيران التي أتى تحذيرها لكوريا بناءً على التشكيك في مصداقية ترامب «الذي قد يلغي الاتفاق قبل عودته إلى بلاده !».

ولا شكّ في أن الجواب هنا واضح، وهو يتعلّق أولاً وآخراً بالعامل الإسرائيلي الضاغط من جهة، وما يتصل به من مسألة البترودولار، إضافة إلى الدفع نحو تراخي الأحاسيس والروابط الوطنية والقومية عند العرب حيث تتحوّل هذه الروابط إلى قوة نابذة، بينما نجدها -وعلى ما يبدو- عند الكوريين قوّة جاذبة، لذلك نجد الأمريكان يفاوضون هنا على «السلاح» النووي، بينما مع الإيرانيين يعترضون على الاستخدام «السلمي» للطاقة النووية.

وفي هذا الصدد يخطىء من يظنّ أن العقوبات الأمريكية على كوريا الديمقراطية هي سبب المفاوضات من الجانب الكوري، بل إن النووي الكوري هو سبب التفاوض الأمريكي، وعليه فإنّ العقوبات الأمريكية على إيران لن تجدي شيئاً بل ستعزّز قدرة النووي الإيراني على التفاوض القوي، وهذا ما تؤكده الأطراف التي لم تنسحبْ من الاتفاق.

بالنتيجة: ما يهمّنا في سورية هو استمرار تطلعنا ودعمنا لحقوق الشعوب ولسيادة الدول، وللاستقرار والأمن الإقليمي والدولي، خاصة في هذه المنطقة من العالم، فلطالما عملت سورية على ترسيخ السلام العادل والشامل في المنطقة، وعلى التعاون بين شعوب وحكومات البحار الخمسة ضد سياسات الهيمنة والتفرّد والابتزاز التي راهنت على الصفقات المشبوهة، وعلى الاستسلام والتطبيع، وعلى تمزيق المجتمعات والأوطان والأمة «الربيع العربي».

هذا جميعه يؤكد أن المقاومة حق وقوة في السلم وفي الحرب، وأن الحلف الصهيوأمريكي – الرجعي العربي  لا يمكن الاطمئنان للمسار السلمي أو التفاوضي معه دون قوة محور المقاومة.

فبالأمس، أكد القائد الأسد في مقابلته مع صحيفة ميل أون صنداي البريطانية أن «الغرب ينفّذ سياسة استعمارية ليست جديدة، بل بأقنعة مختلفة وجديدة». لذلك تزداد قناعة الأجيال الطالعة بأن هذه السياسة الاستعمارية لا تُقاوم أبداً بغير القوة.

 

د. عبد اللطيف عمران

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات