«الدجاجة السوداء».. طفولة في فضاء مسرحي مبسط

ضمن نشاط مسرح الطفل والعرائس يُدرج نشاط مسرحية الدجاجة السوداء الذي يقدّم حالياً على خشبة مسرح القباني في دمشق برعاية وزارة الثقافة، والنص للكاتب الروسي أنتوني بوغاريلسكي الذي جعل من شخصيته الرئيسية (آلوشا) محوراً مهماً لتعلم الفضيلة وفي الحقيقة (آلوشا) كما ورد في الكتابات الروسية هو (تولستوي الصغير) الذي أصبح مضرب المثل في الأدب الروسي والعالمي لاحقاً، فأراد الكاتب أنّ يسلط الضوء على هذا الطفل ليقدّم أنموذجاً حساساً للطفل المتلقي كيّ يتعلّم منه، وبهذا نجد أنّ انتقاء النص كان موفقاً لغنى المادة المسرحيّة التي اجتهد في تقديمها كلّ كوادر المسرحية ابتداءً من المخرجة (آنا عكاش) وانتهاءً بالفنيين أشخاص ما وراء الستارة المسرحيّة.

اعتمد الإخراج المسرحي على البساطة في الديكور، وأحياناً لم يكن هناك سوى فضاء بسيط توحي به حركات الممثل ليكون خيال الطفل جاهزاً لتلقي الإشارة وربطها مع الحدث، فيستنتج شكل الشيء المقصود كالإيحاء بوجود كتاب نقرأ منه أو أدراج تُفتح وتُغلق أو ارتداء ثياب جديدة أو الزحف في النفق … ومخرجة المسرحيّة (آنا عكاش) قالت عن العرض: الحياة مستمرة ولا بدّ من تقديم شيء مهم للأطفال بنص مختلف عما هو معتاد لذلك وقع اختياري على هذا النص بالتحديد وهو يحمل حالة تربوية جميلة، والحكاية لا تشبه القصص المألوفة في مسرحنا بل فيها عامل خيال مميز ومألوف معاً.

5000

وعن كيفية اختيار النص والهدف منه أضافت (آنا عكاش): لقد بحثت عن النص فوجدت الكثير من الخيارات المتاحة التي يمكن إعدادها مسرحيّاً للأطفال، وأنا لست مع أزمة النص كما يُشاع، أمّا الهدف من المسرحية فهو أنّ يدخل الأطفال هنا وينسوا العالم الخارجي ويتفاعلوا معها، فيكفيهم مشاهد مزعجة ويكفي تحملهم لأفكار وأخبار أكبر من مستواهم، والمسرحية أيضاً تحمل هدف مسلّي وممتع لكادر المسرحية ككل وللجمهور القادم كذلك.

أمّا عن الديكور فعلّقت (عكاش): الرهان كان تقديم عرض للطفل من دون ديكور مكلف، واعتقد أننا نجحنا في ذلك.

ويبتهج الأطفال ويتفاعل مع مجموعة من الأناشيد الجميلة التي تربط خيوط الأحداث في القصة، ليخرج منها الطفل بنتيجة دائماً تجعله مراقباً للحدث القادم، وقد قدّم سامر الفقير التأليف الموسيقي وكان موفقاً في ذلك لا سيما وأنّ واحدة منها ركّزت على السلام، ومحبة الحياة، ونبذ الكره والدمار، ولكن في جانب آخر كانت أغنية الختام سريعة في إيقاعها ومنهكة للممثلين، ولربما شكّلت لدى الطفل نوعاً من الصعوبة في الوصول إلى المغزى من المسرحية بسهولة.

حملت المسرحية الكثير من القيم الإيجابية، والأسلوب القصصي بيّن عقوبة من يخرق القوانين الحياتية، وكيف ينبذه الناس من حوله، وهذه محاولة مهمّة لتكريس الحالة الإيجابية لدى الطفل، فمنذ فترة طويلة لم يحمل مسرح الطفل لدينا اعتناءً بتفاصيل كهذه تحضّ الطفل على ارتياد الطريق السويّ وترك السلبيات، وكلّ ذلك جاء بمعالجة عنصر الخيال الذي ابتدعه الطفل (آلوشا) من مدرسته الداخلية مع شخصيات من عالم ما تحت الأرض ليصل الطفل إلى حالة من التمييز بين صفات التواضع والغرور، العناد والمسالمة، الاتكالية والاجتهاد، الصدق والكذب وغيرها من الصفات، وما يميّز العرض هو ترك مساحة بين كثير من مفاصل الأحداث لذهنية الطفل كيّ يربطها وحده دون الرواية المباشرة وهذا جانب جداً مفيد ومحرّض للخيال وللدماغ لدى طفلنا.

في مسرحية الدجاجة السوداء جهود كبيرة بذلها الممثلون على الخشبة وقدّموها، فمنذ المشاهد الأولى للعرض تبقى بطلة العرض (سوزان سلمان) التي قدّمت شخصية (آلوشا) وحتى آخر المشاهد فيها فترتبط البدايات معها من رقصات وإضاءة ونهاية حدث وبداية آخر، وعلى مدى ساعة متواصلة يشترك جميع الممثلين معها ما بين رقص وتأدية حركات خاصة بالدمى وبالممثل والراوي وهذا إنّ دلّ فهو يدلّ على طاقة وحماس في تقديم المسرحية ضمن أجّود ما يمكن. ولابدّ لنا من ذكر أسمائهم: مأمون الفرخ، سوزان سلمان، وائل معوّض، رنا كرم، آلاء مصري زادة، أيهم الجيجكلي، وكمال بدر.

أمّا الرقص وأداء الحركة فكان الإشراف والتدريب فيه للفنان (محمد شباط) وتميزت بالبساطة حتى تكون قريبة للأطفال وأيضاً بالمفاجئة لتحمل التعابير المناسبة مع أحداث المسرحية.

في العرض ثلاث مستويات جاءت متجانسة، فالمستوى الأوّل كان للمثل الذي يؤدي شخصية الدمية، والمستوى الثاني شخصية الممثل الراوي، والمستوى الثالث هو الممثل ذاته الذي يظهر مع الدمية واقفاً ورائها، ونحاح العرض يكمن في مقدرة الممثل بالتعامل مع المستويات الثلاث وإيصال الفكرة للطفل الذي ميّز بقوة هذه المستويات، فهناك دمى ذات طابع ذكوري لكن الممثل كان أنثى وبالرغم من ذلك لم يخلط الطفل شيئاً من هذا بل اشترك في اللعبة ليتأكد بعد العرض أن الطفل (آلوشا) مثلاً هو نفسه (الفنانة سوزان سلمان) أو أنّ الملك هو نفسه الفنانة (رنا كرم).

5001

تميّز العرض أيضاً باختيار لون صعب، وهو نوع فني يركز على ظهور كامل للممثل مع الدمية، والاهتمام بحركة الدمية، كمفاصل يديه والرقبة والرجلين، فيدرك الطفل أنّ الممثل هو من يحرك الدمية بكلّ حركاتها لكنّه يقبلها دون تردد ويتابع في القصة.

يبقى لانتقاء العنوان الرئيسي للمسرحية جدله الخاص، فاختيار عنوان الدجاجة السوداء لم يكن موفقاً لا سيّما وأنّ الدجاجة لم تكن الشخصية المحورية، لذا كان من الأفضل التأني في اختيار عنوان أكثر توفيقاً كـ(ألوشا أو مغامرات آلوشا) أو غيرها من العناوين المناسبة للقصة.

ويستمر تقديم العرض يومياً على خشبة مسرح القباني اعتباراً من 20 تشرين الثاني في تمام الساعة الثانية ظهراً.

البعث ميديا – عامر فؤاد عامر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.