هوفيغ ومحمد..ودين سورية

 دوى الانفجار.. الدخان يعتلي الأبنية.. أصوات رجال الحي تُغرق “عويل” النساء، يركضون في جميع الاتجاهات.. تحيط سيارات الشرطة بالمكان بينما سيارات الإسعاف تنقل الضحايا، إنهم يواصلون الركض بحثا عن قريب أو صديق قد يكون من بين الضحايا.

 سرعان ما عُرف مكان التفجير، شبكة الاتصالات تكاد تنفجر هي الأخرى، كيف لا والإرهاب يضرب أكثر الأماكن اكتظاظا، مقاهي ومحلات ومكاتب وبيوت ومشفى ودار عبادة.. عرضت شاشات التلفزيون المشاهد الأولى للتفجير المرعب.

صاح المسلم: يا الله.. هوفيغ مات.. مات أعرف ذلك! عاد وصرخ: هوفيغ لا يفارق محمد.. “طار الكشك” ومعه محمد وهوفيغ أكيد أنهما فارقا الحياة!

 يخرج هوفيغ من بيته صباحا قاصدا متجره، يعطي التعليمات الروتينية للباعة، ثم يغادر متوجها نحو “كشك” محمد، هذا الأخير يسترزق من المارة من الجرائد إلى السجائر والسكاكر وهوفيغ إلى جانبه يتبادلان أطراف الحديث لتمضي الساعات والايام والسنين، وهوفيغ لا يفارق محمد إلا مساء.

من يبحث عن هوفيغ يعرف أين يجده، والكشك معروف أنه لمحمد (علامة يستدل بها العشاق وعابرو السبيل والمرضى وسائقو سيارات الأجرة).

 الحياة جمعت محمد وهوفيغ ولم تفرقهما، ورغم أن نهايتها كانت قاسية ومؤلمة إلا أن الموت كان رحيما عليهما وأخذهما معا ولم يحرمهما من بعض في السماء.

عندما استشهد الصديقان، غاصت الدنيا بالمعزين، من يعرف محمد أكيد أنه تعرّف على هوفيغ والعكس.

 لم أكن أعرف شيئا عن الأديان سوى ما تعلمته قسريا في المدرسة، وبعض مما تابعته في التلفزيون برغبة شخصية ولم يكن في بيتنا، كتب تُعنى بالدين اللهم مصاحف جاء به والدي من مكة للذكرى “ريحة الحج”.

عشت حياتي في تيه التيارات والأفكار السياسية، ولم يكن لي إلمام بالدين إلا فيلم “الرسالة” لمصطفى العقاد وآخر عن الحروب الصليبية، دونما أن ننسى “مسلسل الواقع” مجازر التكفيريين بحق الجزائريين خلال عقد من الزمن، هؤلاء الذين كانوا يقتلون أبناء وطنهم ودينهم وطائفتهم ومذهبهم باسم القرآن.

 في سورية، يعرف الأصدقاء والجيران والزملاء أديان بعضهم من دون السؤال، فالمناصب والمناطق والأحياء لا تحددها الأديان بل يحددها المال والعمل والفرص بشتى أنواعها، وككل بلدان العالم تجتمع أقليات دينية وعرقية في مساحة جغرافية معينة، لأسباب تاريخية ومهنية وهو ما يسهل معرفة عند الذي يرغب في معرفة الآخر “دينيا” و”عرقيا” بداعي الفضول ليس إلاّ.

في سورية وإن اختلفت مشارب الناس، فالعلاقات بينهم توصف ببيت شعري “حديث الروح للأرواح يسري .. وتدركه القلوب بلا عناءِ”.

في دمشق والمناطق المختلطة عموما، يُرفع آذان الصلاة في المساجد وبفارق زمني بسيط تدق أجراس الكنيسة فيعزفان مقطوعة واحدة بكلمة ولحن مختلفين لكن لمستمع واحد يعيش “هارموني” بداخله.

حين تفرح وتخرج من بيتك أنيقا في أعياد المسلمين بطوائفهم والمسيحيين بطوائفهم أيضا، وتُبارك ويُبارك لك، حينها فقط تدرك أنك في سورية، صحيح أن الدول الغربية عموما متعددة الاثنيات والأديان، ولكن هل يعيشون الطقس الديني كما ينبغي، وهل يشعر الآخرون بحزنك وفرحك في أي ذكرى دينية معينة.. لا أعتقد!

تصطحبني جارتي سابقا إلى الكنيسة في ساعات الصباح الأولى كل أحد، أشاغب وأتحرك وأضحك فيبتسم رجل الدين في وجهي ابتسامة الأب الحنون.. أحضر قداس زفاف أصدقائي، فأصلي واقفة لنبارك زواجهم وفي ذهني مئة سؤال عن التركيبة السورية!

لهذا البلد رب يحميه مادام فيها الإنسان لا يسأل إلا عن أخلاق وصفات الآخر.. أما ما يفعله الآخرون من ذوي العقول الحيوانية، فهم قيح لابد أن يخرج حتى ينظف الجرح.

سلوى حفظ الله-البعث ميديا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.