أسس «المشروع الإرهابي» في المنطقة

بقلم الرفيق الدكتور عبد اللطيف عمران

بعد أن أفشلت حركات الاستقلال الوطني العربية أغلب أهداف مشاريع الاستعمار العثماني والغربي في المنطقة، بقيت المنطقة تعيش الآثار السلبية الناجمة عن التناقض الأساسي بين المشروعين العروبي والصهيوني الذي أفرز بدوره تناقضات عديدة وتحديات جساماًً أعاقت منجزات حركة الاستقلال من الوصول إلى أهدافها في التحرر والتقدم السياسي والاجتماعي، وكان للرجعية العربية دور سلبي واضح ومعروف تاريخياً وواقعياً حتى اليوم.
في هذا السياق نقلت عدد من وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث والدراسات إعلان سلطة آل سعود عزمها «تشكيل قوة عسكرية بقيادة متمركزة في الرياض تضم حوالى مئة ألف مقاتل 75٪ منهم سعوديون، هدفها الرئيسي ردع إيران وإسقاط الحكم في سورية، وتضمن الهيمنة على المشهد السياسي والاقتصادي والأمني في المنطقة، وتغييره إلى حد كبير». وليس هذا بمنقطع الصلة عن درع الجزيرة.
وواضح من هذا الإعلان أن هدفه لا يتناقض مع المشروع الصهيوني بل يصب في خدمته، وهو يصادر النزوع البازغ الآن عند شعوب الخليج التي بدأت تستمرئ مسايرة أمريكا والغرب في الانفتاح على إيران، وفي محاربة الإرهاب… فمن أين سيأتي إذن المقاتلون المئة ألف…؟! وكيف سينتقلون ويصلون إلى إيران وسورية والعراق ولبنان وشمال إفريقيا… وغيرها؟.
هنا ستبرز الحاجة إلى دول أواسط آسيا لاسيما تركيا أردوغان لتكتمل حلقة التآلف الرجعي الإرهابي.
ومع استمرار الصراع الوطني والقومي مع المشروع الصهيوني برز تحوّل جديد في مشروع الرجعية العربية تمثّل بانتقال أطياف عديدة من دعاة الرجعية وداعميها في المنطقة وخارجها إلى الانخراط في  إضعاف النضال العربي الوطني التقدمي وقضيته المركزية فلسطين، أي في دعم حركات التطرف الإسلامي التي سرعان ماتحوّل أغلبها إلى تنظيمات إرهابية جوّالة وعابرة تملك – بسبب دعم الملاءات المالية الخليجية وأجهزة المخابرات الغربية – ديناميكية وحيوية وقدرة على تزييف الوعي، واستقطاب أجيال شابة جديدة أغلبها يتنقّل مدعوماً بين دول الخليج وأفغانستان والغرب.
هذا التحوّل بدأ يستكمل خطوات إنجاز «المشروع الإرهابي» في المنطقة، وبدأت ملامحه تتضح بجلاء فاضح أمام شعوب المنطقة والعالم، لاسيما حين أسفرت حركة الاحتجاج العربية الأخيرة عن ضعف المكوّنات الوطنية والتقدمية والإصلاحية فيها مقابل بروز أفعال التطرف الديني والتكفير والقتل والتخريب الممنهج لمؤسسات الدولة الوطنية، أفعال مسوّغة ومدعومة من بعض حكام الخليج والغرب على أنها «ثورة».
لا يمكن أبداً للمشروع الإرهابي أن ينتج ثورة وطنية، ولا أن يدعمها. الثورة ترتبط وتلتصق بأرض الوطن، وليس بالفنادق والمطارات وبالأعداء التاريخيين للحق وللمشروع العربي.
ولذلك بدأ المشروع الإرهابي يتجه في استراتيجياته نحو أنساق جديدة غير التخريب والقتل والتكفير، أنساق معرفية حقيقية تنطلق من بعث أحقاد الماضي الدفين في الكتب والمجلدات الصفراء  المدعومة بالطباعة والنشر والتوزيع ووسائل الاتصال الجديدة والحديثة، إلى البحث الجاد عن سبل مصادرة الوعي وتزييفه واستلاب المكوّنات الهشّة لشخصية الناشئة من الأجيال الجديدة، استلاباً يدرك أن التفكير الرجعي والممارسة الإرهابية يُبنيان على انحراف في الفكر، واضطراب في النفس، وتبعثر في المكوّنات.
فيندفع الفعل العنفي بشكل غريزي لا يخضع لمعايير عقلانية ولا منطقية ومثال ذلك  ماسمعه المشاهدون من كلام “الجربا” مؤخراً حول موافقة مرتزقته على جنيف 2، وليس الجربا ولا صبرا… وحدهما هكذا… فهكذا حال آل سعود وآل ثاني وأردوغان الذين تنطبق عليهم النظرية الراسخة والمعروفة في علم الاجتماع من «أن الجماعة يمكن أن تصاب بما تُصاب به الحالة الفردية من جنون»، إنه جنون جماعي.
هذه النظرية التي استحصد نتائجها عالم الاجتماع الفرنسي دوركهايم الذي رحل منذ قرن من الزمن تنطبق بشدة على رعاة ودعاة «المشروع الإرهابي» في المنطقة، فهم على الرغم من جهودهم الخبيثة وإنفاقهم وإزهاقهم الأموال والأرواح لا يزالون يرزحون تحت وهم مشروع ضائع، يعاني رغم ضخ كل أشكال الدعم من استمرار الانفراط المتسلسل التنظيمي والاستراتيجي للجماعات الإرهابية، فيبقى فيه الإرهابيون رهائن تفسيرات وتوجيهات الممولين الذين هم أيضاً يعانون من ضعف القدرة على التنسيق مع «الجهاديين» والتكفيريين «الإرهابيين الجوالين»، إذ لا تملك أي إدارة في العالم سلطة حقيقية على المجموعات الإرهابية.
وهنا يتفق الإرهاب الجوّال مع المعارضة الجوّالة بأطيافها من اليمين واليسار على الاعتراف بمنظومات القاعدة «جبهة النصرة، داعش، الجبهة الإسلامية…» كمكوّن من مكوّنات «الثورة» المزعومة، هذا التجوال يسعى إلى فرض حاضنة لمأسسة المشروع الإرهابي “كما سمعنا بالأمس شكوى أبي عمر الشيشاني”، لكن لا السعودية ولا أصدقاؤها قادرون على الحضانة… ولذلك يصرّ الجوّالون على ترديد «هيئة حكم انتقالية» ترديداً إرهابياً في مسار الحل السياسي للأزمة السورية، في الوقت الذي يزداد فيه عدد الدول التي تعمل على مقاضاة السعودية لأنشطتها في دعم الإرهاب الدولي.
فما الذي يمكن لـ «هيئة الحكم الانتقالية» أن تنجزه في الوقت الذي تواجه فيه الحكومة الشرعية والدستورية تحديات كبرى، على الرغم من قدرتها في الحفاظ على قيام مؤسسات الدولة الوطنية بواجباتها تجاه الدولة والشعب؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.