محمد عزوز في «حروف الدمع».. بساطة وعمق

 

“حروف الدمع” مجموعة قصصية للقاص محمد عزوز، صادرة عن دار بعل 2010. جاءت المجموعة في 160 صفحة من القطع المتوسط تحمل بين طياتها 43 قصة تناول الكاتب في معظمها حالات إنسانية لا تبتعد عنا كثيراً، تعايشنا وتعبر عن ألم دفين فاضت به نفس القاص، فهاهو يفتتح مجموعته بإهداء إلى أصدقائه الذين طواهم الموت في إشارة منه إلى أهمية الصداقة وحفظ العِشرة، وفي هذا السياق جاءت قصة “العِشرة”  التي يبدأ بها مجموعته لتظهر أهمية القيم الإنسانية التي ربما بتنا نفتقدها اليوم في ظل ما نحن فيه من خلال حكاية صغيرة عن ألفة بين أطفال صغار لم تتشوه براءتهم بعد، وديك عاش معهم فترة قصيرة جداً وكأنه يشير إلينا للعودة إلى الطفل القابع في داخل كل منا. ويتابع بعدها  لينقل لنا حالات لا يمكن أن تكون إلا من واقع حقيقي معاش مستخدماً اللغة السهلة لتصل إلى المتلقي بسلاسة وانسياب كما نقرأه في قصة  “بانتظار قرار” (نهضت من فراشها كالملسوعة، تأرجحت، استندت إلى الجدار المقابل، لم تفتح عينيها بما يكفي لتلمس طريقها إلى المغسلة القريبة،  تفادت السقوط أكثر من مرة..) ويتابع القاص بهذا الانسياب وليس أمام المتلقي إلا تخيل المشهد المكتوب متشوقاً لمتابعة الأحداث حيث اعتمد محمد عزوز على التشويق ليبعد القارئ عن رتابة السرد فنرى ذلك كثيراً كما جاء في (شراكة صباحية) (عندما لحق بها لم تكترث للأمر، سار بمحاذاتها، التصق بأسفل فخذيها، فخافت قليلاً ولاذت بحائط مبنى مجاور، لكنها لم تفعل شيئاً مهماً…) كما أن الكاتب يقدم رؤى خاصة به من خلال (حوارات) تعبر لنا عن نظرته الفلسفية لجوانب معينة في هذه الحياة (قالت: أنت صلب كقلعة ولين كالعجين في الآن نفسه قلت: أنا ابن هذا الزمان قالت: لكنك تعتبر نفسك مغتربا دائماً قلت: هذا غير ذاك) وعلى الرغم مما آل إليه زماننا من جحود بحق الصداقة والصديق إلا أن الأديب عزوز يبقى مصراً على إحياء هذه القيم ملحاً على أهمية الصديق وحفظ العهد والعشرة، فنراه يدور في هذا الفلك لكنه في كل مرة يرتدي طريقة وأسلوباً لا تخلق الملل عند القارئ، بل على العكس تحيطه بالدفء والصدق الغائبين في ضوضاء حياتنا فنراه في “حروف الدمع” والتي حملت اسم المجموعة أيضا يبوح لنا بعواطفه ويرمي عن كاهله عبء الرجولة ويخاطب صديقه بلغة واضحة نقية تكسر جدار الوحدة (حاولتَ أن تتركَ لي مكانا كي أجلس إلى جوارك، أردتَ أن تسمعني بعض همومك،….،صمتَ قليلاً وبكيت..، لم أرك من قبل تبكي..، فتهجأتُ معك حروف الدمع وبكيت..) كذلك يتطرق في (إجراء مناسب) لحالة الأديب الذي يحيله المرض والإعياء للابتعاد عن مؤسسته فيفاجأ بالنسيان يغرقه وينتظر (إجراء مناسب) ليغفر لهم غفلتهم لكن دون جدوى.   وتستمر المجموعة بهذا البوح الرقيق ضمن جو لم يتغير كثيرا عن واقعنا الذي نحن فيه فنراه يصوب كلماته إلى الواقع الثقافي المتردي والمهمل في كل جوانبه فجاءت (أمسية أدبية) لتكون مرآة لحقيقة هذا الواقع وابتعاد الناس عن الأوساط الثقافية إضافة لإهمال المؤسسات الثقافية ذاتها (وصلوا إلى المركز الثقافي قبل الموعد المحدد للأمسية بنصف ساعة، كانوا يتوقعون أن يجدوا جيشاً من الرواد ينتظرون عند المدخل، لم يجدوا أحدا، ظنوا أنهم في المكان غير الصحيح،…..،الصالة كانت أسوأ حالاً، وعندما أحس مدير المركز بحالة البؤس التي صاروا إليها اعتذر: الحقيقة أن المديرية لم توافق على شراء مدفأة للصالة..) وفي نهاية المجموعة يبقى الأديب محمد عزوز مصراً على الواقع الرديء  للعلاقات الإنسانية فيختم مجموعته بقصة (نسيت الاسم) ليخلع قناع الكذب والرياء عن وجه واقعنا المتردي (نعم أنا هو..هل أستطيع أن أخدمك بشيء..؟ -كان لقاء جميلا ذاك اللقاء.. –عن أي لقاء تتحدث يا…آ …لقد نسيت الاسم …)

الكتاب : حروف الدمع

قصص محمد عزوز دار بعل 2010

للأديب أربع مجموعات قصصية: (ويبدأ الهمس) عام 1995، (زاروب العين) عام 1997 (قرط خدوج) عام2004 (حروف الدمع) عام 2010 كما شارك في كتاب (قصص مدينتين) عام 2002 ولديه مجموعتان قصصيتان قيد الطبع (جدراني أولى) و(نفياً منفيا) وهو يعد الآن مشروع كتاب انطباعي عن القصة القصيرة في سورية.

البعث- خضر مجر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.