رسالة مفتوحة إلى وزير الخارجية الأمريكي السيد جون كيري ..

محمد كنايسي

لا بد أن إدارتكم العتيدة قد سمعت بخبر فرض “داعش” الجزية على المواطنين السوريين المسيحيين في الرقة باعتبارهم كفاراً يجب عليهم إما الدخول في الإسلام أو دفع الجزية. فلماذا لم تتخذوا أي موقف من هذه الجريمة اللاإنسانية التي استهدفت مكوناً أساسياً من مكونات الشعب السوري في إطار الاستهداف الإرهابي الكلّي للدولة الوطنية السورية أرضاً وشعباً وجيشاً وقيادة، وهل هذه الجريمة النكراء تنسجم مع الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تزعمون أنكم تريدونها للسوريين، ومع حرصكم على من تسمونهم “أقليات” وتزعمون أن قلوبكم الحنونة تحترق على وضعهم المأساوي!؟.

من الواضح أنكم تجدون صعوبة بالغة في التعاطي مع هذا الخبر الذي يحرجكم ويحرج إدارتكم أيما إحراج، فأنتم من ناحية تضعون “داعش” على قائمة الإرهاب وتدعمون العراق الشقيق في حربه معها، ولكنكم من ناحية أخرى، وعلى النقيض تماماً، تدعمونها في سورية وتسكتون على ما ترتكبه فيها من جرائم ومجازر بحق الشعب السوري. وليس هذا جديداً عليكم بالطبع ، فأنتم جعلتم دعم الإرهاب سياستكم الثابتة منذ بداية الأزمة السورية، وتعمدتم السكوت المطبق على جرائمه البشعة في معظم الأحيان، وإذا اضطركم مناخ الضغط الدولي للشجب والاستنكار في حالات نادرة جداً، كنتم تفعلون بصوت خافت وكلمات باهتة تشجع أذرعكم الإرهابية أكثر مما توقف حركتها. وكل هذا في ظل تمسككم الرسمي بمحاربة الإرهاب، وانخراطكم العملي في محاربته عسكرياً في أكثر من مكان.

ومع أن ازدواجية المعايير هذه ليست غريبة عن سياستكم الخارجية، بل هي أحد الثوابت الجوهرية في هذه السياسة، فإن ممارستها على هذا النحو اللاأخلاقي الفظ لا يبدو مريحاً لكم، رغم أنكم لا تقيمون أي وزن للأخلاق ولاسيما إذا تعلّق الأمر بمصالحكم ومصالح ربيبتكم “إسرائيل”، ولهذا لا ننتظر منكم جديداً ولا موقفاً يختلف عما سبق، فأنتم لستم أغبياء لتقولوا، على طريقة «ائتلافكم» الفاشل، إن “داعش” صنيعة “النظام”، فهذا كما تعرفون كذب ممجوج من النوع المقرف الذي يضركم أكثر مما يفيدكم لأنه يزيد من إحراجكم وفضح نفاقكم السياسي الذي ضاق العالم به ذرعاً. وربما فكّرتم باستنكار ناعم ومحتشم لرفع العتب عنكم، لكنكم سرعان ما عدلتم عن الفكرة لأنها في تناقض صارخ مع ما تقومون به علناً من دعم للإرهاب، مما سيجعلها سبباً في تثبيت هذه التهمة عليكم بدلاً من إسقاطها عنكم.

بقي أمامكم إذن أن تسكتوا وتكتفوا بما سبق أن قلتموه لقناة “العبرية” منذ مدة قريبة من أن الحل لما أسميتموها “الأقليات” في “سورية الجديدة” هو إرسال قوات دولية لحمايتها بعد التوصل إلى تسوية في جنيف 2 أساسها تنحي الرئيس!.

وإلى أن تتحقق “سورية الجديدة” هذه والتي تقصدون بها سورية الخاضعة لسيطرة المجموعات الإرهابية المسلحة والغارقة في فوضى الاقتتال فيما بينها، فإنكم مستمرون، بالطبع، في دعم الإرهاب ليحصد المزيد من أرواح السوريين بكل مكوناتهم ودون استثناء، وليدمر المزيد من بنى الدولة في مختلف المجالات. ومعنى هذا بكل وضوح هو أنكم تريدون إزاحة السلطة الوطنية السورية عبر فرض حل سياسي جائر على الشعب السوري تتمكنون بعده من احتلال سورية تحت ذريعة حماية “الأقليات” من المجموعات الإرهابية التي تدعمونها على قدم وساق الآن. ولِعِلْمِكُم فإنه لا وجود في سورية لأقليات بالمعنى الوطني للكلمة، فبهذا المعنى يشكل الشعب السوري كلّه وبمختلف مكوناته الإثنية والدينية طيفاً وطنياً واسعاً واحداً يرفض مشروع إسقاط دولته الوطنية وينخرط في الدفاع المستميت عنها، مما يجعله كلّه هدفاً للإرهابين الذين لا يستثنون أحداً من مكوناته الوطنية تلك.

– الـتتمة ص10 –

فهل تعتقدون حقاً أن بإمكانكم إحداث شرخ في هذا الجدار الوطني الصلب باللعب على وتر “الأقليات” التي أثبتت في الشدائد والملمّات أنها أكثر انتماء للوطن والمواطنة من أي شيء آخر. واهمين وساذجين، حتى لا أقول أكثر، تكونون إذن. وها قد انتهى جنيف 2 بفشلكم الذريع في فرض حل لا يريده السوريون، وعَلِمتُم أن إرادة الشعب السوري منصرفة بقوة إلى مكافحة الإرهاب، وأنها لا تقبل بغير هذا مدخلاً للحل السياسي الذي يقرره هو نفسه ولا أحد غيره، فهل ستجنحون إلى الحل السلمي الذي يقبله السوريون، فتحفظوا ماء وجهكم وتُجنبوا المنطقة والعالم خطر استمرار الأزمة السورية واتساع رقعة آثارها الإقليمية والدولية، أم ستستمرون في دعم الإرهاب واللعب بناره التي ستطال بلادكم عاجلاً أو آجلاً؟

السيد جون كيري..

أصاب الوزير المعلم عندما ردَّ عليكم في الاجتماع الافتتاحي بمونترو السويسرية ذلك الرد القاسي الذي صدمكم وأعادكم من سماء الأوهام المتعالية إلى أرض الواقع الميداني الذي يؤكد أن ماتريدونه أكبر بكثير مما تقدرون على فعله. وكان يمكن لغطرسة إدارتكم وتدخلكم الوقح في الشأن السوري كما عبّرتْ عنهما كلمتكم التي تجاوزت كل حدود اللياقة، أن تفعل فعلها المُفْحِم لو كان خصمكم أحداً غير سورية ذات التقاليد الوطنية الاستقلالية العريقة التي يعاد إنتاجها ثقافياً وفكرياً وسياسياً بشكل مستمر لتُجدد قوة الشخصية الوطنية العربية السورية القادرة على التحدي وغير القابلة للإخضاع عن طريق التخويف والتهديد والضغوط مهما كان مصدرها. لكن خصمكم كان هذه الـ “سورية” ذات الخصوصية الوطنية التي عجزتم دائماً عن فهمها، والأدق أنكم رفضتم دائماً الاعتراف بها لأن ذلك يعني الاعتراف بفشلكم المزمن في القضاء عليها أو تطويعها على الأقل. والحقيقة أن جذور مشكلتكم العويصة مع سورية تكمن في أنكم تعودتم، على مر عقود من الزمن، ألا تسمعوا من النظام الرسمي العربي إلا الخطاب الإذعاني الذي يرضي صلفكم وغروركم. ولذلك وجدتم صعوبة بالغة في القبول بأن تشذّ القيادة السورية عن هذه القاعدة، منذ أن أصبحت سورية قوة إقليمية في عهد القائد التاريخي حافظ الأسد،  فقررتم وسعيتم للثأر منها، وفشلتم في كل محاولاتكم، لكنكم بقيتم تعدّون العدة وتنتظرون الفرصة حتى سنحت لكم على خلفية الانتفاضات الشعبية العربية، فكانت حربكم الكونية الإرهابية المستمرة عليها منذ ثلاث سنوات.

وأعترف بأن أدواتكم الإرهابية قد أنجزت الكثير في مجال إرهاب السوريين وقتلهم وتهجيرهم وتدمير مساكنهم، كما في مجال تخريب البنى التحتية ومؤسسات الدولة. إلا أنكم لم تنجحوا ولن تنجحوا أبداً في إسقاط الدولة وتقويض وحدة أرضها وشعبها وتغيير قيادتها. فالدولة التي قالت لكم “لا” على لسان رئيسها الشجاع بشار الأسد، ولم يرهبها جبروتكم وغطرستكم، وجيشكم يحتل العراق، وساستكم يهددون باحتلالها أيضاً، لن يركعها إرهابكم التكفيري الذي أتى به خدمكم الإقليميون من أربع جهات الأرض لكسر إرادة شعبها وقوة جيشها وعنفوان قيادتها.

وها أنتم تدركون اليوم أكثر فأكثر رغم مكابرتكم أن الدولة التي ظننتم أنها ستكون لقمة سائغة لإرهابكم المعولم هذه المرة، أظهرت أنها تملك من مصادر القوة الداخلية والخارجية ما يجعلها قادرة على تلقينكم درساً قاسياً، سيكتب تاريخكم الاستعماري والعدواني الطويل أنه من أشد الدروس إيلاماً لامبراطوريتكم الذاهبة، ببطء، ولكن دون شك، إلى الأفول.

السيد جون كيري..

الولايات المتحدة الأميركية دولة عظمى مازالت تملك من أسباب القوة الهائلة ما يجعلها قادرة على إيقاف مشاريعها العدوانية الخاسرة دون أن تضطر لدفع أثمان سياسية باهظة كما هو شأن أدواتها الإقليمية، والمطلوب فقط أن تكفّوا عن التدخل السافر في الشأن السوري، وتوقفوا الحرب الكونية المجرمة التي يشنها عملاؤكم الإقليميون وأدواتهم الإرهابية على سورية بدعم سياسي وعسكري منكم. وسترون عندئذ أن سورية قادرة على حماية مواطنيها، كل مواطنيها، بل سترون أيضاً أنها قادرة على استعادة الأمن والاستقرار والتعايش الجميل الذي طالما تميزت به بين دول المنطقة والعالم، وإعادة إعمار ما دمره وخربه إرهابكم الحاقد، في أسرع وقت ممكن.

كفّوا عن كل ذلك، وكفّوا عن زعم صداقتكم للشعب السوري، وذرف الدموع على ما يعانيه، فيما أيديكم تقطر من دمه البريء. وكفّوا عن استخدام أكذوبة الديمقراطية وحقوق الإنسان للسوريين، فلا أحد – سيد كيري – صدّق أمس ويصدّق اليوم وسيصدّق غداً أنكم ديمقراطيون حقيقيون، ليس لأنكم تقتلون الشعب الذي تدّعون صداقته وسماع صوته والحرص على مصالحه فقط، بل ولأنكم أيضاً، وفي هذا تكمن المفارقة التي تعرّي طبيعتكم الاستبدادية الصرفة، لا تستمعون إلى صوت شعبكم الأمريكي الذي قالها لكم مراراً وتكراراً واضحة ومدوية: ارفعوا أيديكم عن سورية.

البعث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.