جغرافيا السّواطير!!

ليست المشكلة في شغّيلة السّواطير، وعروش الذبح، فهؤلاء يعملون “بدوام إضافي” لصالح أمراء الوقت الممسكين بمصائر البشر، ومفاتيح الجغرافيا، لإعادة تشكيل الحياة على قياس مضخات النفط، وحجم صناديق الإيداع، في طواحين البنوك العاملة على الدم وقوداً حيوياً، يضمن استمرارها وتنامي رأسمالها.

بلى.. الإرهاب خطرٌ كأيّ انهيار ثلجيّ، يتدفّق من كهوف غائرة في العتم، نحو السهول الممتدة ـ باطمئنان ـ ليحرق الأخضر، والأخضر! لكن الإرهاب أعمى! وخطورته عندما يستعير عينين تعملان بالتحكم عن بُعد، لتقود خطواته المزروعة بالجثث، إلى مقابر الأوطان الجماعية. وواهمٌ،حتى خداع النفس، من يعتقد أن أجهزة التحكم بلا عقل، وبلا تفكير، وأنها تعمل “ببطارية مرتجلة”، وأن تدابيرها ليست منضبطة ـ بدقة ـ على توقيت الولايات المتحدة الأميركية، ليستمر العصر الأميركي على أنقاض “الحلفاء” والأعداء معاً. فالانصياع الأعمى يوحّد مصير الأغبياء!

الوقت من نزيف حارٍّ، ولذلك فإن أمراء الوقت هم الذين يرشّحون هذا الشريان أو ذاك، لبدء الإيقاع الدّمويّ. وطالما أن “طويلي العمر” مستمرون في تمويل خياطة الأكفان، فلا مشكلة في نهم الموت، وجوع المقابر!

غرفة العمليات التي تدير الإرهاب، تبدأ من جيوب الممسكين بأنابيب المال الخليجي، وتنتهي على طاولة الرئيس الأميركي، حيث تتبادل الأزرار ألوانها الخادعة، فلا يعرف النفط في أي “لمبةٍ” يحترق!

وعندما يعتذر جو بايدن عن تصريحاته، فهو اعتذار عن الصدق! فالأميركيّ الصادق هو الأميركيّ الكاذب! لأن الأميركيين ما اعتادوا أن يقولوا الحقيقة في أي وقت. علماً أن الاعتذار قد لا يكون أكثر من تذكير بما ارتكبه المعتذر من موبقات!

لم يعدْ ثمة متّسعٌ لحراثة الضباب، وامتهان الوهم! كلّ السوريين على القائمة الأميركية السوداء، والتأويلات الصادرة عن جداول الأعمال الخارجية، تنسب نوافير الموت لأسباب لا علاقة لها بحقيقة الصراع في الجغرافية السورية!

السّوريون كلّهم، في مواجهة الإرهاب كلّه. فالحرب بين السوريين والإرهاب، حرب بين الداخل والخارج، لكنّ هذه الحقيقة، لا تساعد الغرب على الاستمرار في ردم، وإحراق آبار النفط السوري، وحفر آبار الدماء، لاكتشاف مزيج اللون المناسب، لما يرسمه خبراء البنتاغون على وميض القذائف المتفجرة، لوضع “الدولة اليهودية” في معرض الأمم المتحدة.

“داعش” وأخواتها من الأفعال الناقصة، لم تهبط من الفراغ، ولم تتسلّق الصخرة السورية بحثاً عن قمم تتنشق منها أنفاس الصحابة، وعطر الرسالة الخالدة؛ بل دُفِعت إلى هذا المسار لتمارس قصّ الجغرافية، وقطع التراب، في مساحات يوحدها مسار ومصير، وخيارات سياسية، تنبع من فلسطين وتصب في فلسطين. ولذلك فإن مهمة داعش الأساسية إنشاء المخافر المتقدمة، وإقامة الحواجز المسلحة، والتدقيق في البطاقات الشخصية للمواقف السياسية العابرة للحدود، حتى لا تكون طهران، ـ وربما موسكو ـ من أوائل المحتشدين وراء الخنادق الفردية لحزب الله، في الجنوب اللبناني.

إن التلاعب بالجغرافيا ليس برنامجاً على “الأتاري”، يتمكن فيه اللاعب من إحياء الموتى، وإعادة اللعبة إلى نقطة البدء! بل هو رهان بالمصير، وقد تنتهي اللعبة في وقت لا يسمح للاعبين بالتقاط أنفاسهم. لأن البلدان التي تتعرض بنيتها التحتية للتخريب الممنهج، قد تتمكن من إسقاط اللاعبين “بالسّكتة التكنولوجية”، بسبب “تقنين الكهرباء” المفروض عليها.   وليس مهماً ـ في مواسم الضجيج ـ أن يكون الصوت مرتفعاً، فالصوت المرتفع ليس مؤشراً على صواب، أو على قوّة صاحبه؛ لكنّ المهم أن يفهم أصحاب الطبول الجوفاء إيماءة واضحةً حاسمةً: إن النيران لا تخضع لعمليات التجميل! وعندما تندلع بفعلٍ أحمق، فلن يكون بمقدور أحد أن يعيد أعواد الثقاب إلى علبة الكبريت. ولن يكون بمقدور أحد أن يحدد ـ سلفاً ـ مسار اللهيب، بما يضمن حماية لحى العابثين بمصائر شعوبهم، من شرر “الحلاقة على الصفر”!

نحن لم نختر مواجهة الإرهاب لأننا “متفرغون” للحروب! لكن السكاكين العمياء حاولت تقطيع جلودنا، وخياطتها على مقاسات لا تناسب قاماتنا! ومواجهة الاختلاط اللغوي في قطعان يعلو “قباعها” باللهجات العتيقة البالية، لا يحول دون قدرتنا على مواجهة مالكي “الحظائر”!

نعرف ـ ويعرفون أننا نعرف ـ أن معركتنا الحقيقية لا تحدد بوصلتها فتاوى التكفير، ولا أعشاش الغربان القابعة في لحى الغرباء القادمين “لإقامة الحدّ”، على كلّ من يخالف ضلالهم.

معركتنا مرسومة بالدم، والأرواح، والأضرحة الطالعة في ترابنا، شاهداً على خصوبة الأجيال في الدفاع عن حيفا، والقدس، وطبريا، والجزائر، والسودان، وجنوب لبنان.   معركتنا مع المشروع الصهيوني، الذي يتناقض مصيريّاً مع المشروع القومي العربي. ولذلك “يوظّف” الصهاينة قطعان الليل “بدوام كامل” لحرف مسار الصراع، وإنهاك الجيش العربي السوري المقدس. لكنّ جيشاً عربيّاً أنجز حرب تشرين، سيظل يقرأ مفردات اللغة العربية بلهجة القرآن الكريم؛ وسوف يظلّ ممسكاً بأقفال الزمن، حتى لا يهرّب أمراء الوقت تاريخه، وأمجاده، للبيع في السوق السوداء!

من كتب حرب تشرين بصواريخ سام، وبقذائف الدبابات، وبخوف الأطفال، وبلهفة النساء إلى عودة رجالهنّ، سيكون قادراً على تصحيح اللغة، وإحكام الإغلاق على المفردات الغريبة في قواميسها العتيقة؛ لأن السّيادة فعل مضارع، لا ينقضي بتزاحم الطامعين، ولا بحماقات الخارجين من فوهات “الدّوشكا”، وأزيز القنّاصات.

السّيادة فعل سوريّ للسّادة السوريين، أنتجته حضارةٌ ضالعةٌ في الكبرياء، مختصّةٌ بمواجهة المناخات المتقلبة، ومشاريع المناطق العازلة، وأوهام الطالعين من حمّامات السوق بنظارات شمسية، لا تخفي ـ إلا عن عيون واضعيها ـ وحدة السماء العالية، من أول الشهداء في تشرين، حتى مشرق النصر في قاسيون!

عصام خليل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.